وصلّوا عليّ ، فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم » « 1 » .
والعيد إذا نسب إلى المكان فيراد به المكان الذي يقصد الاجتماع فيه للعبادة أو غيرها .
ثمّ فسّر المستدلّ عبارة « لا تجعلوا قبري عيدا » بما رواه عن علي بن الحسين عليهما السّلام ، حيث نهى رجلا كان يتحرّى الدعاء عند قبر الرسول صلّى اللّه عليه واله مستدلّا بهذا الحديث الذي رواه هو عن جدّه علي بن أبي طالب ، فبيّن أنّ قصده للدعاء ونحوه هو اتّخاذه عيدا « 2 » .
والجواب : أنّ هذا الحديث لا يثبت حرمة التبرّك بوجه من الوجوه ، بل على فرض صدوره - وهو أوّل الكلام - فهو يدلّ على النهي عن جعل قبره صلّى اللّه عليه واله محلّا لاجتماع الناس فيه دون مسجده .
وأمّا ما نقله عن علي بن الحسين عليه السّلام فهو مخالف لما ورد عن طريق أهل البيت عليهم السّلام من أنّهم كانوا يزورون القبر ويتبرّكون به ، وقد تقدّم « 3 » بعض ذلك . ومن ذلك ما ذكره المسعودي - عند بيان واقعة الحرّة وقتل مسلم ( مسرف ) بن عقبة المسلمين وهتك مدينة الرسول صلّى اللّه عليه واله - حيث قال : « ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجّاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو ، فأتي به إلى مسرف وهو مغتاظ عليه ، فتبرّأ منه ومن آبائه ، فلمّا رآه وقد أشرف عليه ارتعد ، وقام له ، وأقعده إلى جانبه ، وقال له : سلني حوائجك ، فلم يسأله في أحد ممّن قدّم إلى السيف إلّا شفّعه فيه ، ثمّ انصرف عنه ، فقيل لعليّ رأيناك تحرّك شفتيك ، فما الذي قلت ؟ قال : قلت : " اللهمّ ربّ السماوات السبع وما أظللن ، والأرضين السبع وما أقللن ، ربّ العرش العظيم ، ربّ محمّد وآله الطاهرين ، أعوذ بك من شرّه ، وأدرأ بك في نحره ، أسألك أن تؤتيني خيره ، وتكفيني شرّه " . وقيل لمسلم : رأيناك تسبّ هذا الغلام وسلفه ، فلمّا أتي به إليك رفعت منزلته ، فقال : ما كان ذلك لرأي منّي ، لقد ملئ قلبي منه رعبا » « 1 » .
الثالث - نهيه صلّى اللّه عليه واله عن اتّخاذ قبره مسجدا ، فيما روي مرفوعا عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله أنّه قال : « اللهمّ لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتدّ غضب اللّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد » « 2 » .
والجواب : أنّه مع غضّ النظر عن سند الرواية ، هو : أنّ المراد منها ومن أمثالها بقرينة التشبيه باليهود والنصارى : هو أنّ المنهي عنه إنّما هو السجود للقبر أو عليه ، كما كان يفعله أولئك ، لا السجود للّه تعالى عند القبر ، فإنّ السجود للّه تعالى عبادة أينما تحقّق
هامش
( 1 ) سنن أبي داود 2 : 176 ، كتاب المناسك ، باب زيارة القبور ، الحديث 2042 .
( 2 ) كتاب التبرّك : 329 - 330 .
( 3 ) تقدّم في الصفحة 491 .
1 مروج الذهب 3 : 70 .
2 انظر : الموطأ : 144 باب جامع الصلاة ، الحديث 261 .