خامسا - موت أحد المتعاطيين :
قبل بيان ذلك لا بدّ من التنبيه على أمر ذكره الشيخ الأنصاري مقدّمة ، وهو : أنّ جواز رجوع المتعاطيين الذي قام عليه الإجماع بناء على الملك الجائز أو الإباحة ، إنّما هو جواز حكميّ لا حقّي ، والفرق بينهما أنّ الأوّل حكم شرعيّ غير قابل للإسقاط والإرث ، مثل جواز رجوع الواهب في هبته إذا لم تكن لازمة بإحدى ملزماتها - كالهبة إلى الرحم - فإذا وهب الإنسان شيئا ثمّ مات ، لم ينتقل جواز الرجوع في الهبة إلى وارثه ؛ لأنّه جواز حكمي .
وأمّا الثاني فهو جواز حقّي قابل للإسقاط والإرث ، مثل خيار فسخ العقد بأحد أسبابه ، فلو مات ذو الخيار انتقل حقّ الخيار إلى وارثه .
وجواز الرجوع في المعاطاة جواز حكميّ لا حقّي ، وعليه فلو مات من يجوز له الرجوع في المعاطاة لم ينتقل الجواز إلى وارثه ، فإذا لم يجز للوارث الرجوع صارت المعاطاة لازمة .
هذا على القول بالملك « 1 » .
أمّا على القول بالإباحة فربّما يشعر كلام الشيخ الأنصاري بجواز الرجوع فيه « 2 » .
ويمكن توجيه كون الجواز حكميا غير قابل للتوارث ، بأنّ دليل جواز الرجوع هو الإجماع - على فرض قيامه - والقدر المتيقّن منه هو جواز الرجوع للمالك نفسه ، لا لورثته ؛ ولذلك لا يجري استصحاب الجواز الذي كان ثابتا للمالك قبل الموت لمورّثه بعد الموت ، بل يجري أصالة عدم جعل الجواز للوارث « 1 » .
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري بعد أن ذكر الموت ، قال : « ولو جنّ أحدهما ، فالظاهر قيام وليّه مقامه في الرجوع على القولين » « 2 » .
أي على القول بالملك والقول بالإباحة ، وفي جميع أقسام الملزمات .
والفارق بين الجنون والموت ، هو : أنّ وليّ المجنون بمنزلة وكيله ، فالحقّ ثابت لصاحبه ، وهو المجنون ، وإنّما يطالبه وليّه ، فلم يتبدلّ ذو الحقّ ، بخلاف الوارث فإنّه يطالب الحقّ لنفسه ، وهو غير من ثبت له الحقّ أوّلا بدليل الإجماع « 3 » .
هذا ولكن قال النائيني : « حكم المجنون على الوجهين حكم الموت في لزوم المعاطاة ؛ لاشتراط بقاء الجواز ببقاء المتعاطيين على حالهما حين
هامش
( 1 ) انظر المكاسب 3 : 102 .
( 2 ) حيث قال : « فلو مات أحد المالكين لم يجز لوارثه الرجوع على القول بالملك ، للأصل » ، ولم يذكر صورة الإباحة . المكاسب 3 : 102 .
1 انظر : مصباح الفقاهة 2 : 216 - 217 ، وهدى الطالب 2 : 251 .
2 المكاسب 3 : 102 .
3 انظر : هدى الطالب 2 : 252 - 253 ، ومنية الطالب 1 : 221 .