العوضين مع بقائهما بسبب الإجماع المدّعى على جواز الترادّ ، والإجماع دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقّن ، وهو صورة وجود العوضين معا ، وبعد تلفهما ينتفي موضوع جواز الترادّ « 1 » .
ومن هذا التعليل يظهر وجه لزوم المعاطاة لو تلف أحد العوضين ؛ بناء على إفادة المعاطاة الملك ؛ لأنّه بعد تلف أحدهما لم يبق محلّ الترادّ وهو بقاء العوضين الذي قلنا : إنّه القدر المتيقّن من قيام الإجماع على جواز الترادّ « 2 » .
وإنّما الكلام بناء على إفادة المعاطاة الإباحة ، فقد اختلفت فيه آراء الفقهاء ، ومنشأ الاختلاف كلام الشهيد الثاني في المسالك ، حيث قال : « لو تلفت العينان معا تحقّق الملك فيهما ؛ ولو تلفت إحداهما خاصّة ، فقد صرّح جماعة « 3 » بالاكتفاء به في تحقّق ملك الأخرى ؛ نظرا إلى ما قدّمناه من جعل الباقي عوضا عن التالف ؛ لتراضيهما على ذلك .
ويحتمل هنا العدم ؛ التفاتا إلى أصالة بقاء الملك لمالكه ، وعموم " الناس مسلّطون على أموالهم " « 4 » .
والأوّل أقوى ، فإنّ من بيده المال مستحقّ قد ظفر بمثل حقّه بإذن مستحقّه فيملكه ، وإن كان مغايرا له في الجنس والوصف ؛ لتراضيهما على ذلك » « 1 » .
ومحلّ النقاش في كلامه هو قوله : « ويحتمل هنا العدم . . . » .
وناقشه الشيخ الأنصاري : بأنّ أصالة بقاء الملك - أي ملك مالك العين الباقية - معارضة بأصالة براءة ذمّته عن ضمان مثل العين التالفة أو قيمتها التي تلفت بيده .
ثمّ رجع عن ذلك وقال : « يمكن أن يقال : إنّ أصالة بقاء السلطنة حاكمة على أصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة » « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر : المكاسب 3 : 96 - 98 ، وهدى الطالب 2 : 207 .
( 2 ) انظر : المكاسب 3 : 97 ، وهدى الطالب 2 : 209 .
( 3 ) انظر : الدروس 3 : 192 ، والتنقيح الرائع 2 : 25 ، وجامع المقاصد 4 : 58 .
( 4 ) عوالي اللآلي 3 : 208 ، الحديث 49 .
1 المسالك 3 : 149 .
2 المكاسب 3 : 97 - 98 .
توضيح ما أفاده الشهيد والشيخ الأنصاري بالمثال هو :
أنّه لو فرضنا أنّ زيدا دفع لعمرو قلما مقابل دفع عمرو له كتابا ، فتلف الكتاب بيد زيد فأراد - أي زيد - أن يسترجع قلمه .
فالشهيد يريد بكلامه : « يحتمل هنا العدم » : أنّه يحتمل عدم اللزوم ؛ لأنّ أصالة ملك زيد لقلمه وسلطنته عليه يجوّزان له الرجوع في المعاملة وأخذ قلمه .
والشيخ الأنصاري يقول أوّلا : إنّ أصالة بقاء ملك زيد لقلمه وسلطنته عليه معارضة بأصالة براءة ذمّته - أي زيد - عن ضمان مثل الكتاب - الذي تلف عنده - أو قيمته ؛ لأنّه إذا أخذ قلمه فينبغي أن يدفع بدل الكتاب وهو المثل أو القيمة .