وهذا النوع من بيع الدين هو القدر المتيقّن من « بيع الدين بالدين » الذي ورد النهي عنه والتزم الفقهاء ببطلانه « 1 » ، مدّعين عليه الإجماع « 2 » .
وأمّا النهي عنه ، فقد وردت من طرقنا رواية طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السّلام وأنّه قال : « قال رسول الله صلّى اللّه عليه واله : لا يباع الدين بالدين » « 3 » .
وورد هذا المعنى عن طرق العامّة أيضا « 4 » .
والتعبير الأخير - وهو بيع الكالئ بالكالئ - لم يرد من طرقنا « 5 » ، وسيجيء التحقيق في معناه وهل هو بيع الدين بالدين نفسه أو يختلف معه ، عند الكلام عن « بيع الكالئ بالكالئ » إن شاء الله تعالى .
الثاني - بيع الدين الحالّ بالثمن الحاضر :
كما إذا كان له في ذمّة زيد مقدارا من الحنطة دينا ، يساوي مئة دينار وقد حلّ أجله ، فباعه من زيد نفسه أو من غيره بتسعين دينارا حاضرة غير مؤجّلة ، سواء كانت الدنانير شخصيّة مشارا إليها ، أم كلّية في الذمّة .
والمعروف صحّة هذا البيع « 1 » ، ولم ينقل فيه خلاف إلّا عن الشيخ وبعض من تبعه ، وابن إدريس في بعض جهات المسألة .
أمّا الشيخ ، فقد نفى أن يكون المدين ملزما بدفع جميع ما كان في ذمّته لزيد ، إذا كان المشتري قد اشتراه بأقلّ من الدين ، ففي المثال المتقدّم يجب على المدين أن يدفع لزيد التسعين دينارا التي وقعت عليها المعاملة ، لا المقدار من الطعام الذي يساوي مئة دينار والذي انشغلت ذمته به للدائن « 2 » .
واستند في ذلك إلى رواية أبي حمزة عن الإمام الباقر عليه السّلام ، قال : « سألت أبا جعفر عليه السّلام عن رجل كان له على رجل دين ، فجاءه رجل فاشتراه منه بعرض ، ثمّ انطلق إلى الذي عليه الدين ، فقال له :
أعطني ما لفلان عليك ، فإنّي قد اشتريته منه ، كيف يكون القضاء في ذلك ؟ فقال أبو جعفر عليه السّلام : يردّ الرجل الذي عليه الدين ماله الذي اشترى به من
هامش
( 1 ) قال الشهيد الثاني : « والحقّ أنّ اسم بيع الدين بالدين لا يتحقّق إلّا إذا كان العوضان معا دينا قبل المعاوضة ، كما لو باعه الدين الذي في ذمّته بدين آخر له في ذمّته ، وفي ذمّة ثالث ، أو تبايعا دينا في ذمّة غريم لأحدهما بدين في ذمّة آخر غريم للآخر ، ونحو ذلك ؛ لاقتضاء الباء كون الدين نفسه عوضا » . المسالك 3 : 434 .
( 2 ) انظر : الروضة البهيّة 3 : 513 ، والرياض 8 : 456 ، ومفتاح الكرامة 4 : 425 ، والجواهر 23 : 98 .
( 3 ) الوسائل 18 : 347 ، الباب 15 من أبواب الدين ، الحديث الأوّل .
( 4 ) جاء في المغني 4 : 165 : « ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ ، وهو بيع الدين بالدين ؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله نهى عن بيع الكالئ بالكالئ ، رواه أبو عبيد في الغريب » .
( 5 ) انظر مفتاح الكرامة 4 : 425 .
1 وقد ادّعي عليه الإجماع ، انظر الرياض 8 : 453 - 454 ، ومفتاح الكرامة 5 : 29 .
2 انظر النهاية : 311 .