الأطعمة عند بعض الأقوام وإن كانت خسيسة عند عامة الناس ويتنفّرون منها ، فإنّه يصحّ لهم دفع المال بإزائها عندئذ .
ويستنتج من ذلك : أنّ الرغبة عامل مؤثر في ماليّة الأشياء ، فربّ شيء يكون مرغوبا عند طبقة أو طائفة من الناس ، بل وحتى عند شخص ، ولا يكون كذلك عند غيرهم . فترى شخصا يدفع مالا جزيلا مقابل ورقة ؛ لأنّ فيها كتابة أحد أجداده ، في حين لا قيمة لها عند شخص آخر ، أو يدفع الزارع مالا معتنى به مقابل حبّة واحدة من بذور إحدى النباتات ؛ لأنّها أجريت بعض الإصلاحات عليها ، في حين لا قيمة لها عند غيره .
وممّن يرى هذا الرأي السيّدان : الخوئي « 1 » والخميني « 2 » ، وهو الظاهر من المحقّق الإصفهاني « 3 » .
الشرط الثاني - الملكيّة الطلقة :
يشترط في العوضين إضافة إلى كونهما مالين ، كونهما مملوكين ملكية طلقة « 4 » .
والنسبة بين الماليّة والملكيّة عموم من وجه ، فالدار مملوكة ولها ماليّة ، والمباحات العامّة كالطير في السماء والسمك في الماء ، والأوقاف العامّة - بناء على كون الوقف فكّ الملك - ونحوها لها ماليّة وليست ملكا لأحد ، وحبّة الحنطة ملك لصاحبها ولا ماليّة لها عرفا ، إذا لم تكن لها خصوصيّة زائدة .
واحترزوا عن اشتراط الماليّة في العوضين عمّا لا ماليّة له عرفا كحبة الحنطة ، أو شرعا كالخمر والخنزير ، كما تقدّم .
واحترزوا عن اشتراط الملكيّة الطلقة عمّا لم يكن مملوكا للمتبايعين كذلك ، مثل :
- الأراضي الخراجية التي هي ملك لعامة المسلمين لا لأشخاصهم ، فلا يجوز لهم بيعها ولا شراؤها .
- والوقف ، فإن العين الموقوفة لا يجوز بيعها ولا شراؤها لخروجها بالوقف من ملك صاحبها .
- وأمّ الولد ، فإنّها لما كانت تعتق من سهم ولدها من إرث مولاها ، فهي متشبّثة بالحريّة ، والحرّ لا يملك فلا يباع ولا يشترى ، فملكيّة مولاها لها ليست ملكيّة طلقة .
- والعين المرهونة ، فإنّها لا يجوز لصاحبها بيعها ، لتعلّق حق المرتهن بها ، فهي ليست مملوكة لصاحبها ملكيّة طلقة .
ولذلك بحث الفقهاء هنا عن حكم بيع هذه الأمور ، لكنّا تكلّمنا عن الأوّل في عنوان « أرض » ، وعن الثالث في « أمّ ولد » ، وسوف يأتي الكلام عن الثاني في « وقف » وعن الرابع في « رهن » إن شاء الله تعالى .
هامش
( 1 ) انظر مصباح الفقاهة 5 : 120 .
( 2 ) انظر كتاب البيع ( للإمام الخميني ) 3 : 3 - 4 .
( 3 ) انظر حاشية المكاسب ( للإصفهاني ) 3 : 10 - 11 .
( 4 ) انظر : المكاسب 4 : 11 ، ومنية الطالب 2 : 273 - 274 ، ومصباح الفقاهة 5 : 122 ، وهدى الطالب 6 : 395 - 396 .