القبول ؛ ليدلّ اللفظ عليها بتأخّرها عن الإيجاب .
نعم ، المعهود من القبول - بأيّ لفظ كان - كونه متأخّرا عن الإيجاب غالبا ، وهذا قد يوجب بعض الإشكال في الجزم بالقول بجواز التقديم في هذا المورد « 1 » .
وأمّا القسم الثاني ، وهو أن يكون القبول بلفظ : « قبلت » أو « رضيت » ونحوهما ، فلا يجوز تقدّمه على الإيجاب .
ودليله عند الشيخ الأنصاري - على ما يستفاد من كلامه - هو :
1 - الإجماع المنقول عن التذكرة على عدم جواز التقديم .
2 - انصراف عمومات البيع وإطلاقاته إلى المتعارف منها ، وما تقدّم فيه القبول غير متعارف ، فلا تشمله تلك العمومات .
3 - أنّ القبول - الذي هو أحد ركني العقد المعاوضي - فرع الإيجاب ؛ لأنّه عبارة عن الرضا بالإيجاب على وجه يتضمّن إنشاء نقل ماله عوضا عن المبيع « 2 » .
وبعبارة أخرى : إنّ لفظي « قبلت » و « رضيت » لو لم يتقدّمهما الإيجاب لم يكن لهما معنى محصّل ، بخلاف ما لو قال : « اشتريت منك كذا بكذا » فإنّه يدلّ على نقل الثمن في الحال في مقابل المبيع .
وأمّا الثالث ، وهو : أن يكون القبول بصيغة الأمر ، فقد اختار الشيخ عدم جواز تقديمه على الإيجاب ؛ لأنّ الأمر لا يدلّ إلّا على طلب المعاوضة والرضا بها لو وقعت ، ولا يدلّ على نقل الثمن إلى البائع في الحال عوضا عن المبيع . إذ المفروض عدم تحقّق الإيجاب قبله « 1 » .
ثمّ ردّ الإجماع المدّعى في المبسوط على جواز
هامش
( 1 ) انظر : المكاسب 3 : 150 - 153 ، وهدى الطالب 2 : 482 .
( 2 ) انظر : المكاسب 3 : 143 - 144 ، وهدى الطالب 2 : 485 - 486 .
1 يرى بعض المحقّقين أنّ استعمال الأمر في مقام المعاملة يتصوّر على ثلاثة أقسام :
الأوّل - أن يكون بمعنى طلب وقوع المعاملة من البائع ، وأنّه لو توافق معه البائع لرضي بالمعاملة ، من دون قصد إيقاع القبول مقابل الإيجاب في المعاملة .
وهذا لا ينبغي الإشكال في عدم كفايته عن القبول .
الثاني - أن يكون دالّا على الرضا بالمأمور به - وهو البيع - لو وقع في المستقبل ، من دون قصد إلى طلب وقوعه .
وهذا أيضا لا يتحقّق به القبول ؛ لعدم كونه رضا بنقل الثمن في الحال .
الثالث - أن يكون دالّا على معنى « اشتريت » . لأنّ المشتري إذا قال : « بعني كذا بكذا » فهو يدلّ بالمطابقة على طلب البيع ، ومن لوازمه حصول الإيجاب - أو بالأحرى طلب الإيجاب - من البائع ، والقبول من المشتري ، فكأنّ اللفظ الدالّ على الملزوم - وهو البيع - دال على اللازم ، وهو القبول . وهنا يصحّ أن يأتي البحث عن أنّ القبول : يجوز تقديمه أم لا ؟ وأمّا الفرضان الأوّلان ، فلا يصحّ البحث عن ذلك فيهما . انظر هدى الطالب 2 : 489 .