ثانيا - حكم البيع بالإشارة :
إنّ البيع بالإشارة إمّا يقع ممّن هو عاجز عن التلفّظ بالصيغة ، كالأخرس ونحوه ، أو ممّن هو قادر على ذلك ، فالكلام يقع في مقامين :
المقام الأوّل - قيام إشارة الأخرس مقام لفظه :
لا إشكال في أنّ اشتراط اللفظ والصيغة في عقد البيع على القول به ، إنّما هو مع القدرة عليه ، أمّا في صورة العجز فتسقط الشرطية ؛ وذلك لأنّ الدليل على اعتبار الصيغة : إمّا الإجماع أو بعض النصوص .
- أمّا الإجماع المدّعى على اعتبار الصيغة - على فرض تحقّقه - فهو دليل لبّي « 1 » يقتصر فيه على القدر المتيقّن ، وهو صورة قدرة المتعاقدين على التلفّظ بالصيغة ، فلا يشمل صورة العجز « 2 » .
بل عمومات البيع وإطلاقاته ، مثل :
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
« 3 » ، و
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
« 4 » ، تنفي اعتبارها ؛ لأنّ القاعدة الأوّلية المستفادة من هذه الإطلاقات تدلّ على صحّة الإنشاء بكلّ ما هو قابل له ، وخرج من ذلك صورة قدرة المنشئ على الإنشاء باللفظ ، فلا يصحّ عندئذ عقده بالإشارة ، وبقيت صورة عدم القدرة تحت العمومات والإطلاقات الدالّة على جواز إيقاع العقد بكلّ مبرز ، ومنه الإشارة « 1 » .
- وأمّا النصوص ، فقد استدلّ بما ورد في طلاق الأخرس ، من قبيل :
1 - معتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السّلام ، قال : « طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها ، ويضعها على رأسها ويعتزلها » « 2 » .
2 - وصحيحة البزنطي : « أنّه سأل أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن الرجل تكون عنده المرأة ، يصمت ولا يتكلّم ، قال : أخرس هو ؟ قلت : نعم ، ويعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها ، أيجوز أن يطلّق عنه وليّه ؟
قال : لا ، ولكن يكتب ويشهد على ذلك ، قلت :
أصلحك الله ، فإنّه لا يكتب ولا يسمع ، كيف يطلّقها ؟ قال : بالذي يعرف به من أفعاله ، مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها » « 3 » .
فهذه وغيرها دالّة على قيام إشارة الأخرس مقام لفظه في الطلاق ، ولا خصوصيّة للطلاق من بين عقوده وإيقاعاته حتى يختصّ به ، فيكشف من عدم
هامش
( 1 ) الدليل اللبّي هو الدليل العقلي ، مأخوذ من اللّب وهو العقل ، ويلحق به الإجماع ، فهذان الدليلان لمّا لم يكونا لفظيين ، لم يكن لهما عموم أو إطلاق ليتمسّك بهما في موارد الحاجة ، كالشك في دخالة قيد أو شرط في ذلك .
( 2 ) انظر المكاسب ( للشيخ الأنصاري ) 3 : 117 - 118 .
( 3 ) البقرة : 275 .
( 4 ) النساء : 29 .
1 انظر : مصباح الفقاهة 3 : 11 ، والمسالك 3 : 147 .
2 الوسائل 22 : 48 ، الباب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق ، الحديث 3 .
3 الوسائل 22 : 47 ، الباب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق ، الحديث الأوّل .