أمّا الأمانة ، فلأنّ غير الأمين لا يحفظ المال ، بل يفنيه في رغباته وشهواته الشخصيّة أو شهوات طبقة خاصّة من بطانته ، نعم ربّما يصرف بعضه في مصالح الناس .
وأمّا العلم بالمصرف ؛ فلأن المتولّي مهما كان أمينا لو لم يعلم بالطرق الصحيحة في صرف المال ، فلا تترتّب فائدة كثيرة على صرف المال .
وإلى هذين الأمرين أشير في قوله تعالى - حكاية عن يوسف حينما طلب من الملك أن يجعله على خزائن أموال مصر - :
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
« 1 » .
فالوصف الأوّل الذي وصف به يوسف نفسه هو : كونه حفيظا ، ولعلّ الاقتصار على التعبير به لأنّه أدقّ من التعبير بكونه أمينا ، فإن الأمانة تدفع شبهة خيانة المتولّي نفسه ، لكنّ الحفيظ يدفع شبهة الخيانة مطلقا : خيانة نفسه وخيانة غيره ، فإنّ « فعيل » من صيغ المبالغة ، وهي تدلّ على المبالغة في الحفظ عن كلّ خيانة .
والوصف الثاني هو : كونه عليما بكيفيّة حفظ المال وصرفه في موارده .
ولذلك وفّق يوسف في عمله فتمكّن من معالجة الفقر بعد القحط الشديد الذي أصاب مصر سبع سنين ، بل أصبح الطعام يصدّر منها إلى غيرها .
ولأجل ذلك كان يتشدّد الإمام علي عليه السّلام في أمر بيت المال ، والنصوص الواردة التي تحكي قوله أو فعله في ذلك كثيرة رغم قلّة المدة التي كان الحكم فيها بيده ، وفيما يلي نذكر نماذج من تلك النصوص عسى أن نهتدي بها ، إن شاء الله تعالى :
1 - عندما ردّ عليه السّلام قطائع عثمان إلى بيت المال ، قال : « والله لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الإماء لرددته ، فإنّ في العدل سعة ، ومن ضاق عليه العدل ، فالجور عليه أضيق » « 1 » .
وفي رواية أخرى رواها ابن أبي الحديد ، قال :
« ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان ، وكلّ مال أعطاه من مال الله ، فهو مردود في بيت المال ، فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء ، ولو وجدته وقد تزوّج به النساء وفرّق في البلدان لرددته إلى حاله ؛ فإنّ في العدل سعة ، ومن ضاق عنه الحقّ ، فالجور عليه أضيق » « 2 » .
قال ابن أبي الحديد : « القطائع : ما يقطعه الإمام بعض الرعيّة من أرض بيت المال ذات الخراج ، ويسقط عنه خراجه ، ويجعل عليه ضريبة يسيرة عوضا عن الخراج ، وقد كان عثمان أقطع كثيرا من بني أميّة وغيرهم من أوليائه وأصحابه قطائع من أرض الخراج على هذه الصورة » « 3 » .
هامش
( 1 ) يوسف : 55 .
1 نهج البلاغة : 57 ، الخطبة 15 .
2 شرح نهج البلاغة ( لابن أبي الحديد ) 1 : 269 ، ذيل الخطبة 15 .
3 المصدر المتقدّم .