إلهك وعصيت إمامك : إنّك تقسّم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم ، وأريقت عليه دماؤهم ، فيمن اعتامك من أعراب قومك ، فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لئن كان ذلك حقّا لتجدنّ لك عليّ هوانا ، ولتخفّنّ عندي ميزانا ، فلا تستهن بحقّ ربّك ، ولا تصلح دنياك بمحق دينك ، فتكون من الأخسرين أعمالا .
ألا وإنّ حقّ من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء يردون عندي عليه ، ويصدرون عنه » « 1 » .
قال ابن أبي الحديد معلّقا على هذا الكلام :
« والمعنى أنّه نهى مصقلة عن أن يقسم الفيء على أعراب قومه الذين اتّخذوه سيّدا ورئيسا ، ويحرم المسلمين الذين حازوه بأنفسهم وسلاحهم ، وهذا هو الأمر الذي كان ينكره على عثمان ، وهو إيثار أهله وأقاربه بمال الفيء . . . » « 2 » .
8 - وكتب إلى بعض عمّاله أيضا : « أمّا بعد ، فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك ، وعصيت إمامك ، وأخزيت أمانتك . بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك ، وأكلت ما تحت يديك ، فارفع إليّ حسابك ، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس ، والسلام » « 3 » .
قال ابن أبي الحديد : « والمعنى أنّه نسبه إلى الخيانة في المال ، وإلى إخراب الضّياع » « 1 » .
وممّا ذكره ذيل هذا الكلام أيضا هو : أنّه لمّا قدم أبو هريرة من البحرين قال له عمر : يا عدوّ الله وعدوّ كتابه ، أسرقت مال الله تعالى ؟ قال أبو هريرة : لست بعدوّ الله ولا عدوّ كتابه ، ولكنّي عدوّ من عاداهما ، ولم أسرق مال الله ، فضربه بجريدة على رأسه ، ثمّ ثنّاه بالدّرّة ، وأغرمه عشرة آلاف درهم ، ثمّ أحضره ، فقال : يا أبا هريرة ، من أين لك عشرة آلاف درهم ؟ !
قال : خيلي تناسلت ، وعطائي تلاحق ، وسهامي تتابعت !
قال عمر : كلّا واللّه « 2 » .
9 - وكان عليه السّلام يقول : « يا أهل الكوفة ، إن خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فأنا خائن . وكانت نفقته تأتيه من غلّته بالمدينة من ينبع « 3 » ، وكان يطعم الناس الخلّ واللحم ، ويأكل من الثريد بالزيت ويجلّلها بالتمر من العجوة « 4 » ، وكان ذلك طعامه » « 5 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 415 ، قسم الكتب ، الكتاب 43 .
( 2 ) شرح النهج 16 : 176 .
( 3 ) نهج البلاغة : 412 ، قسم الكتب ، الكتاب 40 .
1 شرح النهج 16 : 164 .
2 المصدر المتقدّم : 165 .
3 حصن به نخيل وماء وزرع ، وبها وقوف لعلي بن أبي طالب عليه السّلام ، كان يتولّاها ولده . معجم البلدان : « ينبع » .
4 نوع من التمر .
5 الوسائل 15 : 109 ، الباب 40 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 5 ، نقلا عن كتاب الغارات 1 : 68 .