ثمّ قال بعد حكاية فعل الإمام عليه السّلام ، وهو ردّ الأموال إلى بيت مال المسلمين : « فبلغ ذلك عمرو بن العاص ، وكان بأيلة « 1 » من أرض الشام ، أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها ، فكتب إلى معاوية :
ما كنت صانعا فاصنع ، إذا قشّرك ابن أبي طالب من كلّ ما تملكه كما تقشّر عن العصا لحاها » « 2 » .
2 - وروي عن سويد بن غفلة أنّه قال :
« دخلت على أمير المؤمنين عليه السّلام بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير ، وليس في البيت غيره ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئا ممّا يحتاج إليه البيت !
فقال عليه السّلام : يا ابن غفلة إنّ اللبيب لا يتأثّث في دار النقلة ، ولنا دار أمن قد نقلنا إليها خير متاعنا ، وإنّا عن قليل إليها صائرون » « 3 » .
3 - وقال عليه السّلام : « والله لأن أبيت على حسك السّعدان مسهّدا « 4 » ، أو أجرّ في الأغلال مصفّدا ، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد . . . » ، إلى أن قال :
« والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق « 1 » حتى استماحني من برّكم صاعا ، ورأيت صبيانه شعث الشعور ، غبر الألوان من فقرهم ، كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم « 2 » ، وعاودني مؤكّدا ، وكرّر عليّ القول مردّدا ، فأصغيت إليه سمعي ، فظنّ أنّي أبيعه ديني واتبع قياده مفارقا طريقتي ، فأحميت له حديدة ، ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، فقلت له : ثكلتك الثواكل ، يا عقيل ! أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرّني إلى نار سجرها جبّارها لغضبه ، أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لظى ؟ ! » « 3 » .
وروى ابن أبي الحديد ذيل هذه الخطبة في أحوال عقيل : أنّه لما قدم على معاوية طلب منه أن يشرح له قصّة الحديدة المحماة ، فقال : « أصابتني مخمصة شديدة ، فسألته فلم تند صفاته ، فجمعت صبياني وجئته بهم ، والبؤس والضرّ ظاهران عليهم ، فقال : ائتني عشيّة لأدفع إليك شيئا ، فجئته يقودني أحد ولدي ، فأمره بالتنحيّ ، ثمّ قال : ألا فدونك ،
هامش
( 1 ) بليدة صغيرة تقع على ساحل البحر آخر الحجاز وأوّل الشام . معجم البلدان 1 : 292 ، « أيله » .
( 2 ) شرح نهج البلاغة ( لابن أبي الحديد ) 1 : 269 ، ذيل الخطبة 15 .
( 3 ) البحار 67 : 321 - 322 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الزهد ، الحديث 28 ، نقلا عن عدّة الداعي .
( 4 ) السعدان : نبت ذو شوك يقال له : حسك السعدان ، وحسكة السعدان . والمسهّد : الممنوع النوم وهو السهاد .
شرح النهج 11 : 246 ، وانظر النهاية ( لابن الأثير ) :
« سعد » .
1 أملق : افتقر . القاموس المحيط : « ملق » .
2 العظلم : الليل المظلم ، أو نبت يصبغ به ما يراد اسوداده ، أو هو الوسمة . القاموس المحيط : « عظلم » ، وشرح النهج 11 : 247 ، ذيل الخطبة 219 .
3 نهج البلاغة : 346 ، الخطبة 224 .