ومحلّ الشاهد قوله عليه السّلام : « كيف أعرت . . . بغير إذني ورضاهم ؟ ! » فإنّه دالّ على جواز الإعارة لو كان بإذن الإمام عليه السّلام .
وهل هو بحاجة إلى إذن المسلمين أيضا ، كما يقتضيه ظاهر العبارة ؟ أم لا ، كما هو ظاهر الحال ؛ لعدم إمكان استئذان جميعهم ؟ يحتاج إلى تأمّل ، ولعلّ إذنه إذن المسلمين أيضا ؛ لأنّه إمامهم .
كيفيّة تقسيم بيت المال :
كان رسول الله صلّى اللّه عليه واله يساوي بين المسلمين في العطاء ، ولا يفضّل أحدهم على آخر فيه .
قالوا : وكان أبو بكر يفعل ذلك .
لكن المعروف أنّ عمر فرّق في العطاء ، فقدّم طائفة على أخرى ، وكذا عثمان إلّا أنّ الأخير بالغ في ذلك فآثر أرحامه وأقاربه على غيرهم .
وأمّا أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام فقد اتّبع سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فقسّم بالسويّة « 1 » .
روي عن حفص بن غياث أنّه قال : « سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول - وسئل عن قسم بيت المال - :
أهل الإسلام هم أبناء الإسلام أسوّي بينهم في العطاء ، وفضائلهم بينهم وبين الله ، أجعلهم كبني رجل واحد لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص ، قال : وهذا هو فعل رسول الله صلّى اللّه عليه واله في بدو أمره ، وقد قال غيرنا :
أقدّمهم في العطاء بما قد فضّلهم الله بسوابقهم في الإسلام ، إذا كان بالإسلام قد أصابوا ذلك ، فأنزلهم على مواريث ذوي الأرحام ، بعضهم أقرب من بعض ، وأوفر نصيبا ؛ لقربه من الميّت ، وإنّما ورثوا برحمهم ، وكذلك كان عمر يفعله » « 1 » .
وقال عليّ عليه السّلام رادّا على من طلب منه تقديم الأشراف والموالي على العجم ليأمن منهم :
« أتأمروني أن أطلب النصر بالجور ، لا والله لا أفعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم ، والله لو كان مالهم لي لواسيت بينهم ، وكيف وإنّما هو أموالهم . . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) قال ابن أبي الحديد : « فإن قلت : إنّ أبا بكر قسّم بالسواء ، كما قسّمه أمير المؤمنين عليه السّلام ، ولم ينكروا ذلك ، كما أنكروه أيّام أمير المؤمنين عليه السّلام ، فما الفرق بين الحالتين ؟ ! قلت : إنّ أبا بكر قسّم محتذيا لقسم رسول الله صلّى اللّه عليه واله ، فلمّا ولي عمر الخلافة : وفضّل قوما على قوم ألفوا ذلك ، ونسوا تلك القسمة الأولى ، وطالت أيام عمر ، وأشربت قلوبهم حبّ المال ، وكثرة العطاء ، وأمّا الذين اهتضموا ، فقنعوا ومرنوا على القناعة ، ولم يخطر لأحد من الفريقين له أنّ هذه الحال تنتقض أو تتغيّر بوجه ما ، فلمّا ولي عثمان أجرى الأمر على ما كان عمر يجريه ، فازداد وثوق القوم بذلك ، ومن ألف أمرا أشقّ عليه فراقه وتغيير العادة فيه ، فلمّا ولي أمير المؤمنين عليه السّلام أراد أن يردّ الأمر إلى ما كان في أيام رسول الله صلّى اللّه عليه واله وأبي بكر ، وقد نسي ذلك ورفض وتخلل بين الزمانين اثنتان وعشرون سنة ، فشقّ ذلك عليهم وأنكروه وأكبروه ، حتى حدث ما حدث من نقض البيعة ، ومفارقة الطاعة ، وللّه أمر هو بالغه ! » . شرح النهج 7 : 42 - 43 .
1 الوسائل 15 : 106 ، الباب 39 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 3 .
2 الوسائل 15 : 107 ، الباب 39 من أبواب جهاد العدوّ ، الحديث 6 .