ولكن يرى صاحب الجواهر : أنّ المراد من التساوي - على الظاهر - إنّما هو بمعنى عدم الزيادة بسبب التقدّم في الدين ، أو سبق في الإسلام ، أو بالقرشية والعربية ونحوها ، لا المساواة بين قليل المال وكثيره ، وقليل العيال وكثيره ، ونحو ذلك « 1 » .
وظاهره إمكان الترجيح بذلك .
أقول : الظاهر أنّ المساواة المذكورة في رواية حفص ، والمرويّة عن فعل أمير المؤمنين عليه السّلام إنّما كانت في المال المتعلّق بجميع المسلمين مع غضّ النظر عن امتيازاتهم في السبق بالإسلام ونحوه ، ومع غض النظر عن عدد ما يعوله ، وعن كونه غنيّا أو فقيرا ، وعربيا أو عجميّا ، ونحو ذلك « 2 » .
وهذا المال هو الحاصل من الأراضي المفتوحة عنوة ، والجزية ونحوها ، وأمّا الأموال الأخر مثل الزكاة والخمس فربّما كانت تلحظ فيها جهات الامتياز ، فيرجّح الأهمّ فالأهم فيها .
والمسألة بعد تحتاج إلى بحث وأيدينا قاصرة فيها ، لعدم وجود نصوص دالّة على ذلك بالتفصيل .
سيرة الإمام علي عليه السّلام في بيت المال « 1 »
المال كما يمكن أن يكون سببا لرقيّ الإنسان والمجتمعات البشريّة ، يمكن أن يكون سببا للانحطاط أيضا .
فإذا استفيد من المال في الطرق والمشاريع الصحيحة ، كالإعمار والزراعة والصناعة والتربية والتعليم ونحو ذلك ، كان نعم العون على تقدّم الإنسان والمجتمعات البشريّة .
وأمّا إذا استخدم في الفساد ورفاهيّة طبقة خاصّة من الناس ، كان سببا للتخلّف والانحطاط .
وهذان الطرفان كلّما ترجّح طرف منهما ترجّحت الآثار المتوخّاة من ذلك الطرف .
وتزداد خطورة المال والآثار المترتّبة عليه إذا كان مالا لعامّة الناس ، سواء كان ذلك في بلاد إسلامي أو غيره .
وبناء على هذه الخطورة ينبغي أن يكون المتولّي لهذا المال متّصفا بصفتين : الأمانة ، والعلم بمصرف المال .
هامش
( 1 ) انظر الجواهر 21 : 216 .
( 2 ) هناك عدّة قرائن تدلّ على ذلك :
منها : تعبير الإمام عليّ عليه السّلام مشيرا إلى بيت المال : « إنّما هو أموالهم » أي أموال جميع المسلمين ، وهذا لا يتلاءم إلّا مع الأموال التي يساهم فيها جميع المسلمين ، مثل الحاصل من انتاج الأراضي المفتوحة عنوة ونحوها .
ومنها : ما ورد من فعل أمير المؤمنين عليه السّلام من المساواة بين الفقير والغني وصاحب العيال وغيره في العطاء ، كما سيأتي ، وذلك لا يكون إلّا في مثل الخراج ونحوه ، لا الزكاة التي لها أرباب مخصوصون منهم الفقراء والمساكين الذين يجوز التفضيل بينهم لكثرة العيال وشدّة الفقر ، ونحو ذلك .
1 هذا البحث خارج عن إطار الموسوعة الفقهية ، لكنّي أوردته موعظة لنفسي أوّلا ، ثمّ لغيري ثانيا ، والله الهادي إلى سبيل الرشاد ، وهو المستعان .