- فلأنّ الإمامة بناء على تفسير الإماميّة امتداد للنبوّة ، فكما أنّ النبيّ ينبغي أن يكون أفضل من غيره ، فكذا الإمام .
- ولأنّ المفضول بحاجة إلى الهداية فكيف يكون هاديا وقد قال اللّه تعالى :
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى
« 1 » ؟
- ولأنّ الإمام الذي يتصدّى لهداية الامّة لابدّ من أن يكون متمكّنا من تحمّل هذه المسؤولية ، ولا يمكن ذلك إلّا مع كونه أفضل من غيره .
والكلام عن أفضليّة الإمام عليّ عليه السّلام باب واسع طرقه العلماء سنّة وشيعة ، وذكروا فيه فضائله الكثيرة مع التعتيم الإعلامي الذي كان ضدّه من قبل أعدائه ، ومع خوف الموالين له من نشر فضائله « 2 » ، حتّى انجرّ الكلام إلى أنّه لا تشترط الأفضليّة في الإمام ، بل يجوز تقديم المفضول ، وبهذا تمكّنوا من المحافظة على أمرين :
هامش
( 1 ) يونس : 35 .
( 2 ) قال أبو جعفر الإسكافي المعتزلي عند الكلام عن إسلام عليّ عليه السّلام وأنّه أوّل من أسلم ، في مقام ردّ مقالة العثمانية :
« لولا ما غلب على الناس من الجهل وحبّ التقليد ، لم نحتج إلى نقض ما احتجّت به العثمانيّة ، فقد علم الناس كافة أنّ الدولة والسلطان لأرباب مقالتهم ، وعرف كلّ أحد علوّ أقدار شيوخهم وعلمائهم وأمرائهم ، وظهور كلمتهم وقهر سلطانهم وارتفاع التقيّة عنهم ، والكرامة والجائزة لمن روى الأخبار والأحاديث في فضل أبي بكر ، وما كان من تأكيد بني اميّة لذلك ، وما ولّده المحدّثون من الأحاديث طلبا لما في أيديهم ، فكانوا لا يألون جهدا في طول ما ملكوا أن يخملوا ذكر عليّ عليه السّلام وولده ، ويطفئوا نورهم ، ويكتموا فضائلهم ومناقبهم وسوابقهم ، ويحملوا على - - شتمهم وسبّهم ولعنهم على المنابر ، فلم يزل السيف يقطر من دمائهم مع قلّة عددهم وكثرة عدوّهم ، فكانوا بين قتيل وأسير ، وشريد وهارب ، ومستخفّ ذليل ، وخائف مترقّب ، حتّى إنّ الفقيه والمحدّث والقاضي والمتكلّم ، ليتقدّم إليه ويتوعّد بغاية الإيعاد وأشدّ العقوبة ألّا يذكروا شيئا من فضائلهم ، ولا يرخّصوا لأحد أن يطيف بهم ، وحتّى بلغ من تقيّة المحدّث أنّه إذا ذكر حديثا عن عليّ عليه السّلام كنّى عن ذكره ، فقال : قال رجل من قريش ، وفعل رجل من قريش ، ولا يذكر عليّا عليه السّلام ولا يتفوّه باسمه .
ثمّ رأينا جميع المختلفين قد حاولوا نقض فضائله ، ووجّهوا الحيل والتأويلات نحوها : من خارجيّ مارق ، وناصب حنق ، وثابت مستبهم ، وناشئ معاند ، ومنافق مكذّب ، وعثماني حسود يعترض فيها ويطعن ، ومعتزلي قد نقض في الكلام ، وأبصر علم الاختلاف ، وعرف الشبه ومواضع الطعن وضروب التأويل ، قد التمس الحيل في إبطال مناقبه وتأويل مشهور فضائله ، فمرّة يتأوّلها بما لا يحتمل ، ومرّة يقصد أن يضع من قدرها بقياس منتقض ، ولا يزداد مع ذلك إلّا قوّة ورفعة ووضوحا واستنارة ، وقد علمت أنّ معاوية ويزيد ومن كان بعدهما من بني مروان أيّام ملكهم - وذلك نحو ثمانين سنة - لم يدعوا جهدا في حمل الناس على شتمه ولعنه وإخفاء فضائله وستر مناقبه وسوابقه . . . » .
ثمّ أخذ يذكر نماذج ممّا فعله بنو اميّة وغيرهم ممّا ذكره من أنواع الظلم . انظر شرح نهج البلاغة -