النصّ الكامل المتضمّن لعبارة : « ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ . . . » وأمّا بناء على النصوص الخالية من ذلك والمقتصرة على عبارة « من كنت مولاه فعليّ مولاه » فلا يتمّ الاستدلال ؛ لأنّ « المولى » له معان عديدة ربّما بلغت العشرين ، فإن لم يناسب كلّها المقام فإنّ بعضها مناسب له ، مثل : المحبّ والناصر والولي ، فلم لا يكون المراد من « المولى » في هذا النصّ هو المحبّ أو الناصر ؟ ولا أقلّ من الاشتراك ، وتعيينه يحتاج إلى قرينة ، فما هي القرينة ؟
وللجواب عن ذلك نقول :
بعد وضوح استعمال « المولى » بمعنى الولي في اللغة « 1 » ، يندفع احتمال إرادة المحبّ والناصر منه بوجود قرائن تدلّ على ذلك ، فمن جملتها :
1 - إنّه صلّى اللّه عليه وآله أمر في ذلك الحرّ الشديد باجتماع الناس والصلاة جامعة ، ثمّ قام خطيبا فيهم آخذا بيد عليّ عليه السّلام قائلا ضمن خطبته : « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه » ، فهل يتصوّر عاقل - إن لم يغلبه شيء آخر - أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أراد أن يبيّن للناس : أنّ من كنت محبّه وناصره فعليّ محبّه وناصره ؟
2 - قد ورد هذا النصّ مع عبارة « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » في موارد أخرى غير يوم الغدير ، منها ما أورده أحمد في مسنده عن بريدة الأسلمي ، أنّه قال : « غزوت مع عليّ اليمن ، فرأيت منه جفوة ، فلمّا قدمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ذكرت عليّا فتنقّصته ، فرأيت وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يتغيّر ، فقال : يا بريدة ، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، قلت : بلى يا رسول اللّه ، قال :
هامش
( 1 ) جاء استعمال « مولى » بمعنى أولى في موارد كثيرة ، منها :
قوله تعالى :مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ .الحديد :
15 ، أي النار أولى بكم . انظر : تفسير الكشّاف 4 : 476 ، وتفسير القرطبي 17 : 248 ، ومجمع البيان ( 9 - 10 ) : 236 .
وقوله تعالى :وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ .النساء : 33 ، أي جعلنا من هو أولى بالميراث . انظر مجمع البيان ( 3 - 4 ) : 41 .
وروي عنه صلّى اللّه عليه وآله قوله : « أيّما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مولاها . . . » ، أي متولّي أمرها . انظر النهاية ( لابن الأثير ) : « ولى » .
وقول الأخطل : - -فأصبحت مولاها على الناس كلّهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمداديوان الأخطل : 107 .
وقول لبيد :كلا الفرجين تحسب أنّه * مولى المخافة خلفها وأمامهايريد : أنّه أولى موضع أن تكون فيه الحرب . انظر الصحاح : « ولي » .
وقال الزمخشري : « ولي الأمر وتولّاه وهو وليّه ومولاه » . أساس البلاغة : « ولي » .
وقال الفرّاء في كتاب معاني القرآن : « الولي والمولى في كلام العرب واحد » .
وقال المبرّد : « هو [ أي المولى ] تأويل الأولى » . -