.
احتجاجات الإمام أبي الحسن عليه السّلام :
لم تكن الأجواء العلميّة نشطة أيام المتوكّل كما كانت عليه أيّام المأمون ؛ لانشغال المتوكّل باللهو وشرب الخمور أكثر من غيره .
أضف إلى ذلك عاملين آخرين ، وهما :
أوّلا - شدّة الرقابة على الإمام عليه السّلام من قبل السلطة ، وخوف الناس من الاتّصال به .
ثانيا - تخوّف السلطة من عقد مجالس الحوار مع الإمام عليه السّلام خوفا من ظهور علمه وتفوّقه على غيره عند عامّة الناس وخاصّتهم ، وهذا ما يظهر ممّا سنذكره .
ومع ذلك فقد سجّلت بعض المحاورات بينه وبين علماء البلاط وغيرهم ، منها :
محاورة الإمام عليه السّلام مع ابن السكّيت « 1 » ويحيى بن أكثم :
« قال المتوكّل لابن السكّيت : سل ابن الرضا مسألة عوصاء بحضرتي ، فسأله ، فقال : لم بعث اللّه موسى بالعصا وبعث عيسى بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، وبعث محمّدا بالقرآن والسيف ؟
فقال أبو الحسن عليه السّلام : بعث اللّه موسى عليه السّلام بالعصا واليد البيضاء في زمان الغالب على أهله السحر ، فأتاهم من ذلك ما قهر سحرهم وبهرهم ، وأثبت الحجّة عليهم ؛ وبعث عيسى عليه السّلام بإبراء الأكمه
هامش
( 1 ) قال النجاشي : « يعقوب بن إسحاق السكّيت أبو يوسف ، كان متقدّما عند أبي جعفر الثاني وأبي الحسن عليهما السّلام ، وله عن أبي جعفر رواية ومسائل ، وقتله المتوكّل لأجل التشيّع ، وأمره مشهور ، وكان وجها في علم العربية واللغة ، ثقة ، مصدقا ( صدوقا ) لا يطعن عليه » . رجال النجاشي : 449 ، الترجمة 1214 .
وقال ابن خلّكان في سبب قتله : « . . . فبينا هو مع المتوكّل يوما جاء المعتزّ والمؤيّد ، فقال المتوكّل :
يا يعقوب ، أيّما أحبّ إليك ، ابناي هذان ، أم الحسن - - والحسين ؟ فغضّ ابن السّكيت من ابنيه وذكر الحسن والحسين رضي اللّه عنهما ما هما أهله ، فأمر الأتراك فداسوا بطنه ، فحمل إلى داره ، فمات بعد غد ذلك اليوم ، وكان ذلك في سنة أربع وأربعين ومئتين . . . » .
ثمّ قال في نهاية الترجمة : « . . . وقد روي في قتله غير ما ذكرته أوّلا ، فقيل : إنّ المتوكّل كان كثير التحامل على عليّ بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين رضي اللّه عنهم أجمعين . . . وكان ابن السكّيت من المغالين في محبّتهم والتوالي لهم ، فلمّا قال له المتوكّل تلك المقالة قال ابن السكّيت : واللّه إنّ قنبر خادم عليّ رضي اللّه عنه خير منك ومن ابنيك ، فقال المتوكّل : سلّوا لسانه من قفاه ، ففعلوا ذلك به فمات . . . » . وفيات الأعيان 6 : 395 - 401 ، الترجمة 827 .
والمعروف عندنا في كيفيّة استشهاده هي الكيفيّة الأخيرة .
وحكي : « أنّ الفرّاء سأل السكّيت عن نسبه ، فقال : خوزيّ أصلحك اللّه من دورق » . المصدر المتقدّم : 396 .
ودورق هي شادكان الحاليّة الواقعة قرب الأهواز بمحافظة خوزستان .