ومخافة إثارة الفتنة وتشتّت المسلمين وتفرّقهم ، وحفظا لمصالح الإسلام ، أو خوفا على أنفسهم « 1 » ، ومثل هذا التقرير العملي الذي لا يدعمه تقرير اعتقادي لا يكون دليلا على كون البيعة وسيلة لإثبات منصب الإمامة .
ولأجل ذلك صرّح الكثير بعدم تحقّق الإجماع على بيعة أبي بكر ، فإذا لم يكن ثمّة إجماع لم يكن دليل على كون البيعة طريقا لنصب الإمام .
وممّن صرّح بعدم تحقّق الإجماع في خلافة أبي بكر :
- الماوردي ، حيث قال : « اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتّى ، فقالت طائفة : لا تنعقد إلّا بجمهور أهل العقد والحلّ من كلّ بلد ؛ ليكون الرضا به عامّا والتسليم لإمامته إجماعا ، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها . . . » « 1 » .
- وقال إمام الحرمين الجويني : « اعلموا أنّه لا يشترط في عقد الإمامة الإجماع ، بل تنعقد الإمامة ، وإن لم تجمع الامّة على عقدها ، والدليل عليه : أنّ الإمامة لما عقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين ولم يتأنّ لانتشار الأخبار إلى من نأى من الصحابة في الأقطار ، ولم ينكر عليه منكر ، فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة لم يثبت عدد
هامش
( 1 ) قال البراء بن عازب : « لم أزل لبني هاشم محبّا ، فلمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم ، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول ، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فكنت أتردّد إلى بني هاشم وهم عند النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في الحجرة ، وأتفقّد وجوه قريش ، فإنّي كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر ، وإذا قائل يقول : القوم في سقيفة بني ساعدة ، وإذا قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر ، فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالأزر الصنعانيّة ، لا يمرّون بأحد إلّا خبطوه وقدّموه ، فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه ، شاء ذلك أو أبى ، فأنكرت عقلي ، وخرجت أشتدّ حتّى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا ، وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ، فقال العبّاس . . . » . شرح نهج البلاغة ( لابن أبي الحديد ) 1 : 219 ، عند شرح كلامه عليه السّلام الذي قاله بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حينما خاطبه العبّاس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة ، وجاء فيه : « فإن أقل ، يقولوا : حرص على الملك ، وإن أسكت يقولوا : جزع من الموت ، هيهات ، بعد اللتيا والتي ! واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امّه ، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطّويّ البعيدة » . نهج البلاغة : 52 ، الخطبة 5 .
وامتنع عن إجابة أبي سفيان حينما قال له : « ابسط - - يدك أبايعك ، فو اللّه إن شئت لأملأنّها على أبي فصيل - يعني أبا بكر - خيلا ورجلا » . شرح نهج البلاغة ( لابن أبي الحديد ) 1 : 221 .
1 الأحكام السلطانية ( للماوردي ) : 6 - 7 .