والتمسّك بإطلاق « الأمر » لإثبات كون الإمامة داخلة فيه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية ، وهو غير صحيح كما ثبت ذلك في علم الأصول « 1 » .
هذا كلّه من حيث الإشكال الكبروي ، وأمّا الإشكال الصغروي فحاصله : أنّ الصيغة التي أمر عمر بن الخطّاب بتشكيل الشورى طبقها كانت فاقدة للركن الأساسي للمشورة ، وهو حرّية إعطاء الرأي ؛ لأنّه قال - بعد إحضار خمسة « 2 » من أهل الشورى - : « تشاوروا ثلاثة أيّام ، فإن جاءكم طلحة إلى ذلك ، وإلّا فأعزم عليكم باللّه أن لا تتفرّقوا من اليوم الثالث حتّى تستخلفوا أحدكم ، فإن أشرتم بها إلى طلحة ، فهو لها أهل - إلى أن قال : - ويحضر ابني عبد اللّه مستشارا وليس له من الأمر شيء - إلى أن قال : - إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه ، وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما ، وإن استقرّ ثلاثة واختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبد اللّه ، فلأيّ الثلاثة قضى ، فالخليفة منهم وفيهم ، فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم » « 3 » .
وفي نقل آخر : « . . . فإن لم يرضوا بحكم عبد اللّه بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا . . . » « 1 » .
والإشكال الذي يرد على هذه الصياغة للشورى هو :
أوّلا - أنّ هذه الشورى كانت فاقدة للأصل الأوّلي للمشورة وهو حريّة إبداء الرأي من دون أيّ خوف أو تهديد ، فإنّ المخالف لآراء الآخرين كان مهدّدا بالقتل ، فأي حريّة تبقى بعد ذلك ؟
ثانيا - أنّ هذه الصياغة كانت أقرب إلى التنصيص من الشورى ؛ لأنّ أعضاءها عيّنوا من قبل الخليفة ؛ ولأنّ الخليفة جعل بعض المرجّحات عند تعارض الآراء وكانت تميل إلى طرف واحد ؛ فإنّ رغبة عبد اللّه بن عمر عن عليّ عليه السّلام كانت معلومة ، ورغبة عبد الرحمن في عثمان كانت معلومة أيضا ؛ لأنّه كان صهرا لعثمان ، وكان سعد بن أبي وقّاص ابن عمّه لا يخالفه .
إذن كان هذان المرجّحان اللذان وضعهما الخليفة يشيران إلى عثمان ، ولهذا السبب عدّ بعضهم هذه الشورى نوعا من التنصيص ولكن بدائرة أوسع من التنصيص على شخص معيّن « 2 » .
وهناك صياغات أخرى للشورى وأمور ترتبط بها نحيل البحث عنها على عنوان « شورى »
هامش
( 1 ) انظر : محاضرات في أصول الفقه 5 : 183 ، وأصول الفقه ( للشيخ المظفّر ) 1 : 139 .
( 2 ) وهم عليّ عليه السّلام ، والزبير ، وعثمان ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وكان طلحة غائبا فحضر .
( 3 ) الإمامة والسياسة : 28 - 29 ، باب تولية عمر بن الخطّاب الستّة الشورى .
1 تاريخ الطبري 3 : 294 .
2 انظر الموسوعة الفقهية ( إصدار وزارة الأوقاف الكويتية ) 6 : 222 ، عنوان « الإمامة الكبرى / ثانيا ولاية العهد » .