أو علماء البلاط ، أو غيرهم ممّن كان يأخذهم الحسد ؛ فلذلك كان الإمام عليه السّلام يتبرّأ من الغلو والغلاة أشدّ البراءة ، لا لأجل ذلك فقط ؛ بل لأنّه كان يرى ذلك لزاما عليه .
روى الكليني عن بعض أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « خرج إلينا أبو عبد اللّه عليه السّلام وهو مغضب ، فقال : إنّي خرجت آنفا في حاجة فتعرّض لي بعض سودان المدينة ، فهتف بي :
" لبّيك يا جعفر بن محمّد ، لبّيك " ، فرجعت عودي على بدئي إلى منزلي خائفا ذعرا ممّا قال ، حتّى سجدت في مسجدي لربّي ، وعفّرت له وجهي ، وذلّلت له نفسي ، وبرئت إليه ممّا هتف بي ، ولو أنّ عيسى بن مريم عدا ما قال اللّه فيه إذن لصمّ صمّا لا يسمع بعده أبدا ، وعمي عمى لا يبصر بعده أبدا ، وخرس خرسا لا يتكلّم بعده أبدا ، ثمّ قال : لعن اللّه أبا الخطّاب « 1 » وقتله بالحديد » « 1 » .
وقال عليه السّلام لسدير - حينما قال له : « إنّ قوما يزعمون أنّكم آلهة » - : « يا سدير ، سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء ، برئ اللّه منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي ، واللّه يجمعني وإيّاهم يوم القيامة إلّا وهو عليهم ساخط .
قال : قلت : فما أنتم جعلت فداك ؟
هامش
( 1 ) محمّد بن أبي زينب أبو الخطّاب الأسدي ، كان من أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام ثمّ انحرف وغلا في الإمام ، وكان يكذب عليه ، فلعنه الإمام عليه السّلام وتبرّأ منه ودعا عليه ، فقتل هو وأصحابه على يد عيسى بن موسى بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس الذي كان عامل المنصور على الكوفة ، ولم ينج منهم إلّا رجل واحد توهّم أنّه مجروح ، فانسلّ من بين القتلى ليلا ، وهو أبو خديجة ( أو أبو سلمة ) سالم بن مكرم الجمّال ، فتاب ، وكان ممّن يروي الحديث . انظر : اختيار معرفة الرجال : 352 ، الرقم 661 ، ومعجم رجال الحديث 14 : 243 - 260 ، ومقباس الهداية 2 : 355 - 357 . - - وقال الشهرستاني : « الخطّابية أصحاب أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد ، وهو الذي عزا نفسه إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق رضى اللّه عنه ، فلمّا وقف الصادق على غلوّه الباطل في حقّه تبرّأ منه ولعنه ، وأمر أصحابه بالبراءة منه ، وشدّد القول في ذلك ، وبالغ في التبرّي منه واللعن عليه ، فلمّا اعتزل عنه ادّعى الإمامة لنفسه .
زعم أبو الخطّاب : أنّ الأئمّة أنبياء ثمّ آلهة ، وقال بإلهيّة جعفر بن محمّد ، وإلهيّة آبائه رضي اللّه عنهم ، وهم أبناء اللّه وأحبّاؤه ، والإلهيّة نور في النبوّة ، والنبوّة نور في الإمامة ، ولا يخلو العالم من هذه الأنوار ، وزعم أنّ جعفرا هو الإله في زمانه ، وليس هو المحسوس الذي يرونه ، ولكن لمّا نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة فرآه الناس فيها » . الملل والنحل 1 : 179 - 180 . وانظر : المقالات والفرق ( لسعد بن عبد اللّه الأشعري ) : 54 - 58 ، وفرق الشيعة ( للنوبختي ) : 47 ، وكشّاف اصطلاحات الفنون 2 : 9 ، وكتاب المواقف وشرحه 3 : 680 - 681 .
1 الكافي ( الروضة ) 8 : 225 ، الحديث 286 ، وقد استجاب اللّه دعاءه كما تقدّم .