القرآن الكريم ، فإذا اطلق لفظ « الكتاب » ينصرف إليه .
وقد تصل غلبة الاستعمال في فرد خاصّ إلى حدّ المجاز المشهور كما تقدّم .
ثالثا - الفهم العرفي والتعارف :
ومن مناشئ الانس الذهني الموجب للانصراف هو فهم العرف ، فإذا فهم العرف معنى من بين معاني اللفظ عند إطلاقه ، ينصرف إليه عند إطلاقه عندهم ، وذلك مثل فهمهم من الغسل الغسل من الأعلى إلى الأسفل ؛ ولذلك يقال : إنّ المراد من الغسل في آية الوضوء « 1 » هو الغسل من المرفق إلى رؤوس الأصابع ؛ لأنّه المتعارف دون العكس ؛ لكونه غير متعارف .
ومثله انصراف وضع اليد على الأرض - حالة الاختيار - إلى وضعها على باطن الكفّ ؛ لأنّه المتعارف من وضع اليد على الأرض حالة الاختيار .
رابعا - القدر المتيقّن :
من مناشئ انصراف المطلق إلى بعض أفراده كونه قدرا متيقّنا من أفراد المطلق ، مثل انصراف اللحم إلى لحم الغنم عند إطلاقه ، فلو قال شخص لابنه : اشتر اللحم ، فاشترى لحم الغنم ، استنادا إلى الانصراف المذكور كان معذورا ؛ لأنّه مانع عن انعقاد الإطلاق .
.
دور الانصراف في الإطلاق والتقييد :
تقدّم في عنوان « إطلاق » : أنّ الإطلاق إنّما يستفاد من مقدّمات الحكمة ، وكان منها عدم وجود قرينة على خلاف الإطلاق ، ومن القرائن العامّة التي ذكرت في هذا المورد هو الانصراف ؛ فلذلك تكلّم الأصوليون عنه عند كلامهم على مقدّمات الحكمة في بحث المطلق والمقيّد ، ولكن فرّقوا بين أقسام الانصراف ، فقالوا بمانعيّة بعضها عن الإطلاق دون بعضها الآخر .
فأمّا القسمان الأوّل والثاني ، فالمعروف عدم كونهما مانعين عن انعقاد الإطلاق ؛ فلذلك قالوا : إنّ الانصراف بسبب غلبة الوجود لا يمنع من انعقاد الإطلاق « 1 » ، فلو قال شخص لابنه : اسقني ماء وكان واقفا على نهر الفرات ، فسقاه من ماء دجلة أو ماء آخر كان معه ، كان ممتثلا ؛ لشمول إطلاق كلمة « الماء » له ، ولا يمنع من ذلك وقوفه على ماء الفرات .
وأمّا فردا القسم الثالث ، فهما يمنعان من انعقاد الإطلاق ؛ ولذلك ينصرف « ما لا يؤكل لحمه » إلى غير الإنسان ، ولفظ « الماء » عن بعض المياه كما تقدّم .
وهذان القسمان هما القدر المتيقّن ممّا يمنع من انعقاد الإطلاق ، وهما اللذان تعرّض لهما الأغلب كما تقدّم « 2 » .
هامش
( 1 ) المائدة : 6 .
1 انظر محاضرات في أصول الفقه 5 : 373 .
2 انظر : كفاية الأصول : 249 ، ونهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : -