الحتميّة ، ولا يكون ذلك لدلالة لفظيّة ، أو انصراف ، أو مقدّمات حكمة » « 1 » .
الثالث - أنّ دلالة الصيغة على الوجوب إنّما هي ناشئة من الإطلاق ومقدّمات الحكمة .
وقد تقدّم بيان ذلك في دلالة الأمر على الوجوب « 2 » .
وهذا مستفاد من صدر كلام المحقّق العراقي « 3 » ، ومن كلام السيّد الصدر في دلالة الأمر على الوجوب « 4 » .
دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب :
تكلّم الاصوليّون عن أنّ الجملة الخبريّة إذا استعملت في الإنشاء هل تدلّ على الوجوب أم لا ؟
مثاله : قول الراوي : « سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المنيّ يصيب الثوب فلا يدري أين مكانه ؟ قال :
يغسله كلّه ، وإن علم مكانه فليغسله » « 5 » .
فإنّ قوله عليه السّلام : « يغسله كلّه » جملة خبرية في مقام البعث والتحريك ، فالإمام عليه السّلام بصدد تحريك المخاطب نحو غسل الثوب .
والأمثلة من هذا القبيل كثيرة .
والظاهر أنّ المعروف دلالة الجملة الخبرية الواردة مورد الإنشاء على الطلب الوجوبي ، بل قيل : ربّما يكون آكد في الطلب من الصيغة . وهذا ممّا لا إشكال فيه ظاهرا ، وإنّما المهم بيان كيفيّة تفسير وتوجيه هذه الدلالة ، فلهم فيها عدّة توجيهات يطول شرحها ، ونقتصر على الإشارة إليها :
التوجيه الأوّل - ما ذكره صاحب الكفاية ، وهو : أنّ الجملة الخبرية مستعملة في معناها الحقيقي وهو الإخبار ، ولكن لا بداعي الإعلام والإخبار ، بل بداعي البعث والتحريك والطلب « 1 » .
التوجيه الثاني - ما ذكره العراقي لكن استضعفه ، وهو : أنّ الجملة الخبرية إنّما استعملت في الطلب والإرسال بما هو مفاد الصيغة ، لكن مجازا .
فيكون استعمال الجملة في الطلب مجازيّا « 2 » .
التوجيه الثالث - ما ذكره العراقي أيضا ، وحاصله : أنّ الجملة مستعملة في معناها ، وهو الإخبار ، وأنّ الداعي في الاستعمال هو الإعلام ، لكنّ الإخبار بتحقّق مفاد الجملة إنّما هو بلحاظ وبداعي تحقّق الإرادة في المريد ؛ نظير باب الكنايات ، كقولك : زيد كثير الرماد ، تريد به إفادة ملزومه وهو جوده وسخاؤه .
واعتبر العراقي هذا الوجه أوجه ممّا ذكره
هامش
( 1 ) مناهج الوصول إلى علم الأصول 1 : 256 ، وانظر تهذيب الأصول 1 : 110 .
( 2 ) تقدّم في الصفحة 454 - 455 .
( 3 ) انظر نهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : 179 - 180 .
( 4 ) انظر بحوث في علم الأصول 2 : 54 .
( 5 ) الوسائل 3 : 403 ، الباب 7 من أبواب النجاسات ، الحديث 4 .
1 انظر كفاية الأصول : 71 ، وذكره العراقي أيضا ، انظر المصدر الآتي .
2 انظر نهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : 180 .