وإنّما الكلام في منشأ هذه الدلالة هل هو الوضع أو شيء آخر ؟
وقد تقدّم مثل هذا الكلام في مادّة الأمر .
وقلنا : إنّ هناك طرقا ثلاثة لتوجيه هذه الدلالة :
الأوّل - أنّ الدلالة ناشئة من الوضع ، بمعنى أنّ وضع الصيغة للوجوب صار منشأ لاستظهار الوجوب منها . ويدلّ على ذلك تبادر الوجوب منها عند إطلاقها ، والتبادر علامة الحقيقة .
وهذا يظهر من كلام صاحب الكفاية وذيل كلام المحقّق العراقي .
قال الأوّل : « لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا قرينة ، ويؤيّده عدم صحّة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب » « 1 » .
وقال الأخير - بعد أن حاول استفادة الوجوب عن طريق الإطلاق ومقدّمات الحكمة - :
« . . . لكن مع ذلك كلّه ربّما تميل النفس إلى كونها حقيقة في خصوص الوجوب ؛ نظرا إلى ما هو المتبادر منها ، مؤيّدا ذلك بأصالة تشابه الأزمان المقتضي لكون وضعها لخصوص الطلب الإلزامي » « 2 » .
الثاني - دلالة الصيغة على الوجوب مستفادة من حكم العقل ؛ لأنّه بعد صدور البعث المولوي يأتي دور العقل ، فيحكم بلزوم انبعاث العبد من بعث المولى ، فالوجوب إذن لا يستفاد من نفس الصيغة وضعا أو انصرافا ، بل من حكم العقل .
وإلى هذا ذهب النائيني ، والسيّدان : الخوئي والخميني .
قال الأوّل : « والذي ينبغي أن يقال هو : أنّ الوجوب إنّما يكون حكما عقليّا ، لا أنّه أمر شرعي ينشئه الآمر حتّى يكون ذلك مفاد الصيغة ومدلولها . . . » « 1 » .
وقال أيضا : « إنّ الصيغة متى صدرت من المولى ، فالعقل يحكم بلزوم امتثال [ ها ] باقتضاء العبوديّة والمولويّة . . . » « 2 » .
وقال الثاني : « إنّ الصيغة كما لا تدلّ على الطلب والبعث ، كذلك لا تدلّ على الحتم والوجوب ، نعم يحكم العقل بالوجوب بمقتضى قانون العبوديّة والمولوية فيما إذا لم ينصب قرينة على الترخيص ، أو فقل : إنّ الصيغة - كما عرفت - موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري في الخارج ، ولا تدلّ على ما عدا ذلك ، إلّا أنّ العقل يحكم بأنّ وظيفة العبودية والمولوية تقتضي لزوم المبادرة والقيام على العبد نحو امتثال ما أمره به المولى واعتبره على ذمّته » « 3 » .
وقال الثالث - بعد بحث طويل - : « وبعد اللتيّا والّتي أنّ ممّا لا ريب فيه ولا إشكال يعتريه هو حكم العقلاء كافّة بأنّ الأمر الصادر من المولى واجب الإطاعة ، وليس للعبد الاعتذار باحتمال كونه ناشئا من المصلحة الغير الملزمة والإرادة الغير
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : 70 .
( 2 ) نهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : 180 .
1 فوائد الأصول ( 1 - 2 ) : 136 .
2 أجود التقريرات 1 : 95 .
3 محاضرات في أصول الفقه 2 : 131 - 132 .