العبد عن بعث المولى وأمره ، بحيث يكون الداعي والمحرّك له نحو العمل هو تعلّق الأمر به وانطباق عنوان « المأمور به » عليه . وهذا المعنى يمكن تحقّقه في الامتثال التفصيلي ، ولا يمكن في الإجمالي ؛ لأنّ الداعي للمكلّف نحو العمل بكلّ واحد من فردي الترديد ليس إلّا احتمال تعلّق الأمر به ، لا تعلّق الأمر به قطعا ؛ لأنّه لا يعلم انطباق عنوان « المأمور به » عليه بالخصوص . نعم بعد الإتيان بالفردين يعلم بتحقّق ما ينطبق « المأمور به » عليه .
وبعبارة موجزة : أنّ الامتثال الإجمالي في طول الامتثال التفصيلي ، فلا يصل الدور إلى الإجمالي إلّا بعد تعذّر التفصيلي بحكم العقل .
ذكر هذا الدليل المحقّق النائيني ، وثبت عليه « 1 » .
وأجيب عنه :
1 - بأنّ المعتبر في الإطاعة بحكم العقل هو إتيان الفعل المأمور به مضافا إلى المولى ، وأمّا لزوم الانبعاث عن بعث المولى فلا دليل عليه ، ومع الشكّ في وجوبه تجري فيه البراءة ؛ لأنّه من الأقلّ والأكثر الارتباطيّين « 1 » .
2 - وبأنّه على فرض صحّة الكبرى الكليّة المذكورة : من أنّ الإطاعة الاحتمالية في طول الإطاعة التفصيلية ، فإنّها خارجة عن مورد البحث ؛ لأنّ الإطاعة في الامتثال الإجمالي يقينيّة لا احتماليّة ، غاية الأمر أنّه لا تمييز حال الإتيان .
نعم لو دار الأمر بين وجوب غسل الجمعة أو إباحته مثلا فيكون إتيانه إطاعة احتماليّة « 2 » .
3 - إنّ الآتي بالمأمور به بداعي احتمال الأمر ربّما يكون أطوع ممّن يأتي به بداعي الأمر القطعي ؛ لأنّ الانبعاث عن احتمال الأمر يكشف عن قوّة المبادئ الباعثة إلى الإطاعة في نفس المطيع « 3 » .
ثانيا - بأنّ الممتثل تفصيلا يكون قادرا على قصد الوجه والتمييز « 4 » ؛ لأنّه عالم بأنّ الأمر الوارد
هامش
( 1 ) انظر : فوائد الأصول 3 : 73 ، وأجود التقريرات 2 : 44 - 45 ؛ ولذلك علّق على كلام السيّد اليزدي في العروة القائل : « الأقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزما للتكرار وأمكن الاجتهاد أو التقليد » بقوله : « إلّا إذا كانت عبادة ، فإنّ الأحوط بل الأقوى حينئذ تعيّن الاجتهاد أو التقليد ، نعم لو أتى بالمحتمل الآخر رجاء للمحبوبيّة وإدراك الواقع بعد الإتيان بما أدّى إليه تقليده أو اجتهاده كان حسنا » .
انظر العروة الوثقى 1 : 14 ، كتاب الاجتهاد والتقليد ، المسألة 4 .
1 انظر مصباح الأصول 2 : 83 .
2 انظر مصباح الأصول 2 : 83 - 84 .
3 انظر تهذيب الأصول 2 : 128 .
4 المراد من قصد الوجه هو : إيقاع الفعل على وجهه ، ففي الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه ، وفي المندوب ، لندبه أو لوجه ندبه .
والتمييز : هو إيقاع الفعل مميّزا عن غيره ممّا يشاركه ، كإيقاع الصلاة ظهرا وأداء ونحو ذلك . انظر المقاصد العليّة : 226 - 227 .