.
التقدّم الرتبي بين أنواع الإطاعة :
ثمّ قالوا : إنّه لا يصل الدور إلى الإطاعة الاحتماليّة إلّا بعد تعذّر الإطاعة الظنّية ، ولا إلى الظنّية إلّا بعد تعذّر العلميّة الإجمالية .
وهذا ممّا لا كلام فيه ظاهرا ، وإنّما وقع الخلاف فيما إذا تمكّن المكلّف من الإطاعة العلميّة التفصيلية ، لكن تركها واختار الإطاعة العلميّة الإجمالية ، فذهب بعض إلى جوازه ، وبعض آخر إلى عدم جوازه .
فالذين يعتقدون عدم الجواز يرون أنّ الإطاعة العلميّة الإجمالية في طول الإطاعة العلميّة التفصيلية ، فإذا لم يتمكّن من الإطاعة التفصيلية يصل الدور إلى الإجمالية ، وأمّا إذا تمكّن فلا .
والذين يعتقدون بجواز ذلك يرون أنّهما في عرض واحد ، وللمكلّف أن يختار أيّ الطريقين للإطاعة والامتثال .
وقد سبق في عنوان « إطاعة » أن أحلنا تفصيل الكلام فيه على عنوان « امتثال » « 1 » ، وقد حان وقته ، فنقول :
إنّ الاحتياط والامتثال الإجمالي تارة يكون في التوصّليات وأخرى في التعبّديات ؛ فلذلك يكون
البحث في مرحلتين :
المرحلة الأولى - الامتثال الإجمالي للواجب التوصّلي :
الظاهر أنّه لا إشكال في صحّة الامتثال الإجمالي مع القدرة على الامتثال التفصيلي في الواجب التوصّلي ، قال الشيخ الأنصاري : « مقتضى القاعدة جواز الاقتصار في الامتثال على العلم الإجمالي بإتيان المكلّف به ، أمّا فيما لا يحتاج سقوط التكليف فيه إلى قصد الإطاعة ، ففي غاية الوضوح . . . » « 1 » .
ومثاله : ما لو علم أحد بأنّه مديون بدينار لشخص ، إمّا لزيد أو لعمرو ، فأعطى لكلّ منهما دينارا ليحصل له العلم بفراغ ذمّته .
ويلحق بالتوصّليات الوضعيّات : كالطهارة والنجاسة ، والصحّة ، والفساد ، فلو غسل الثوب المتنجّس بمائعين طاهرين يعلم إجمالا بكون أحدهما ماء مطلقا والآخر مضافا ، طهر بلا إشكال .
وكذا العقود والإيقاعات ، فإنّه لو احتاط المكلّف وجمع بين إنشاءات متعدّدة يعلم إجمالا بصحّة أحدها - كما إذا أنشأ صيغة عقد البيع ، أو صيغة الطلاق بصور متعدّدة - كان ذلك كافيا في حصول المنشأ « 2 » .
ولكن قد يستشكل في الاحتياط في العقود والإيقاعات ؛ لاستلزامه الإخلال بالجزم المعتبر في الإنشاء ؛ إذ الترديد ينافي الجزم بالنيّة ، ولذا لا يصحّ التعليق في الإنشاء .
وأجيب : بأنّ المخلّ للعقد أو الإيقاع إنّما هو التعليق في إنشائهما ، كأن يقول : بعتك هذا الكتاب إن
هامش
( 1 ) وقد تقدّم بعض الكلام عن ذلك إجمالا أيضا في عنوان « احتياط » في قسم الفقه .
1 فرائد الأصول 1 : 71 .
2 انظر مصباح الأصول 2 : 77 - 78 .