« وإن أبيت عن ذلك كلّه وقلت : إنّ في الأمارة يلزم تفويت المصلحة . . . » « 1 » .
ثمّ شرع في بيان أنواع السببيّة ومنها السببيّة الإماميّة التي عبّر عنها بالمصلحة السلوكية .
ولكن واجهت هذه النظرية عدّة مناقشات ، منها :
- المفروض أنّ الحكم الواقعي باق على حاله ، سواء قامت أمارة على خلافه أو وفاقه أو لم تقم ، وسواء علم به المكلّف أو لا .
ومن جهة أخرى إذا قامت الأمارة على خلاف الحكم الواقعي فيجب العمل بها ما لم ينكشف الخلاف ، والمصلحة إنّما تكون في سلوكها .
إذن فالواجب على المكلّف بالظهر واقعا وقامت عنده أمارة على وجوب الجمعة عليه ، الجمع بين الظهر والجمعة ، وهذا يعني أنّ الواجب الواقعي خرج عن الحدّ الذي وضع له ، وهو كونه واجبا تعيينيّا ، وهذا هو نوع من التصويب « 2 » .
- وربّما يظهر التصويب هنا بصورة أشدّ ، كما إذا قامت الأمارة على إباحة ما هو حرام واقعا ، كالعصير العنبي المغلي ، فإنّ فوات المفسدة الواقعيّة وتداركها بمصلحة سلوك الأمارة يوجب زوال الحرمة واقعا وانقلابها إلى الإباحة ، وهذا أشدّ مراتب التصويب « 1 » .
هذا كلّه بالنسبة إلى السببيّة بأنواعها .
وأمّا الطريقيّة ، فهي المسلك المشهور بين الاصوليّين منّا ، ولهم توجيهات في كيفيّة دفع إشكال تفويت المصلحة نشير إلى أهمّها :
الأوّل - المرتكز عند العرف والعقلاء في العمل بالطرق والأمارات غير العلميّة إنّما هو الطريقيّة ، وأنّ الشارع إنّما يكون عمله في مثل هذه الموارد مطابقا لنظر العرف ، بمعنى أنّه يكون عملا إمضائيا لما هو المتداول عند العرف « 2 » .
الثاني - هذا مضافا إلى أنّ العمل بالأمارة في الأحكام لا يفترق عن العمل بها في الموضوعات ، ولمّا كان العمل بها في الموضوعات إنّما هو على نحو الطريقيّة ، فيكون العمل بها في الأحكام كذلك « 3 » .
الثالث - إلزام المكلّفين بتحصيل العلم - وإن فرض انفتاح بابه - حرج على نوع المكلّفين ، ومناف لكون الشريعة المقدّسة سهلة سمحة ، فلو قدّم الشارع الحكيم مصلحة التسهيل على الإنسان على مصلحة الواقع الفائتة عند مخالفة الأمارة للواقع لم يتصوّر فيه قبح « 4 » .
هامش
( 1 ) فوائد الأصول 3 : 94 .
( 2 ) انظر : مصباح الأصول 2 : 97 ، وبحوث في علم الأصول 4 : 217 .
1 انظر بحوث في علم الأصول 4 : 217 .
2 انظر : نهاية الأفكار 3 : 72 ، وفوائد الأصول 3 : 91 ، ومصباح الأصول 2 : 98 .
3 انظر : نهاية الأفكار 3 : 72 ، وفوائد الأصول 3 : 92 .
4 انظر : فوائد الأصول 3 : 93 ، ومصباح الأصول 2 : 98 .