3 - إنّ جعل الحجّية للأمارات يستلزم تفويت المصلحة لو دلّت الأمارة على عدم وجوب ما هو واجب ، أو الإلقاء في المفسدة إذا دلّت على عدم حرمة ما هو حرام واقعا .
وهذا هو المحذور الثالث .
قال صاحب الكفاية بعد أن ذكر هذه الأمور الثلاثة : « والجواب : أنّ ما ادّعي لزومه إمّا غير لازم أو غير باطل » « 1 » .
ثمّ شرع في جواب الشبهات المتقدّمة .
وللاصوليّين عدّة محاولات لإبطال هذه الشبهات اطلق على مجموع أبحاثها - أي الشبهات والردود - : « بحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي » .
والسرّ في هذه التسمية هو : أنّ ما دلّت عليه الأمارة حكم ظاهري في حقّ المكلّف وما ثبت في الواقع هو الحكم الواقعي ؛ بناء على ما هو الصحيح في المذهب من القول بالتخطئة في الأمارات ، فهم يحاولون إمكان الجمع بين هذين الحكمين بحيث لا تلزم منه المحاذير المتقدّمة .
وسوف يأتي عند الكلام على كيفيّة جعل الأمارات ما تندفع به الشبهة الثالثة ، فتبقى الشبهتان الاخريان ، نحيل البحث فيهما على عنوان « حكم » حيث نتحدّث عن كيفيّة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ، واندفاع شبهة اجتماع المثلين أو الضدّين ، أو طلب الضدّين ، إن شاء اللّه تعالى .
رابعا - كيف يكون جعل الأمارات ، هل هو على نحو الطريقيّة أو السببيّة ؟
اختلف الاصوليّون في ذلك ، والكلام فيه يستدعي شرح مصطلح الطريقيّة والسببيّة :
1 - الطريقيّة :
والمقصود منها أن تكون الأمارة طريقا محضا يتوصّل بها إلى الواقع ، بمعنى أنّه لم يكن هناك إلّا حكم واحد وهو الحكم الواقعي ، والأمارة طريق للتوصّل إليه ، غاية الأمر قد تخطئ الأمارة فلا يتمكّن من التوصّل إليه « 1 » .
وهذه الرؤية بالنسبة إلى الأمارات هي الرؤية العامّة إليها ، بمعنى أنّ عامّة أهل المحاورات في العالم إنّما ينظرون إلى الأمارات بهذا المنظار ، فحينما يرى الإنسان علامة على الطريق تدلّ على أنّ الطريق من اليمين ، فهو يستفيد من ذلك أنّ هذه العلامة طريق للدلالة على جهة الطريق ، فيعمل طبقها ليصل إلى الغاية .
نعم ، ربّما يكون هناك عامل أجنبي - مثل وجود إنسان جاهل أو معاند أو ريح أو غيرها - قد غيّر جهة العلامة أو وضعها في غير موضعها ونحن لا نعلم ، فيؤدّي ذلك إلى وقوعنا في الخطأ فلا نصل إلى الغاية .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : 277 .
1 انظر فرائد الأصول 1 : 109 و 112 .