والمنكر إمّا أن يكون صادقا في إنكاره فيصالح المدّعي ؛ دفعا لليمين المتوجّهة إليه ، وحفظا لماء وجهه وعرضه .
وهذا لا شيء عليه واقعا ، نعم يحرم على المدّعي أن يأخذ ذلك المال مع علمه ببراءة المنكر ؛ لأنّ الصلح لا يحلّل مثل ذلك وإنّما يرفع الخصومة ظاهرا كما سيأتي . فيكون أكله للمال أكلا له بالباطل ، وهو حرام .
وإمّا أن يكون كاذبا في إنكاره ، فيصالحه المدّعي لتحصيل بعض حقّه ، فهنا تبرأ ذمّة المدّعى عليه - أي المنكر - بالمقدار الذي دفعه ، وتبقى ذمّته مشغولة واقعا بالمقدار الذي لم يدفعه .
وهذا معنى قولهم : إنّ الصلح يصحّ ظاهرا مع الإنكار والإقرار ، أي تترتّب الآثار على مفاده ظاهرا ، وأمّا في الواقع فلابدّ أن يحاسب الإنسان نفسه فيما بينه وبين اللّه ، ويفرغ ذمّته من انشغالها بحقّ الناس .
وتدلّ على ذلك روايات منها :
- ما رواه عليّ بن أبي حمزة ، قال : « قلت لأبي الحسن عليه السّلام : رجل يهودي أو نصراني كانت له عندي أربعة آلاف درهم ، مات ، إلي أن أصالح ورثته ولا اعلمهم كم كان ؟ قال : لا يجوز حتّى تخبرهم » « 1 » .
- وما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « إذا كان لرجل على رجل دين فمطله حتّى مات ، ثمّ صالح ورثته على شيء ، فالذي أخذ الورثة لهم ، وما بقي فللميّت حتّى يستوفيه منه في الآخرة ، وإن هو لم يصالحهم على شيء حتّى مات ولم يقض عنه ، فهو كلّه للميّت يأخذه به » « 1 » .
إنكار شيء من أمور الدين :
قلنا في عنوان « ارتداد » : إنّ الارتداد يتحقّق بإنكار اللّه تعالى ، أو توحيده ، أو الرسالة ، أو الرسول ، أو تكذيبه ، أو جحد ما علم ثبوته أو نفيه من الدين ضرورة ، سواء كان عنادا ، أو استهزاء ، أو اعتقادا .
وفسّرنا الضروري بمثل وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحجّ ونحو ذلك ؛ لأنّ وجوبها لا يحتاج إلى برهان .
وأمّا إنكار المجمع عليه الذي لم يصل إلى حدّ الضروري ، فقد صرّح جملة من الفقهاء « 2 » بعدم كونه موجبا للارتداد .
وقلنا : إنّ المشهور عدم حصول الارتداد بإنكار ضروري المذهب ، كإنكار إمامة الأئمّة أو واحد منهم ، لكن بعضهم - كصاحب الحدائق « 3 » - قال بحصوله ، وفصّل صاحب الجواهر « 4 » بين ما إذا
هامش
( 1 ) الوسائل 18 : 445 ، الباب 5 من أبواب الصلح ، الحديث 2 .
1 الوسائل 18 : 446 ، الباب 5 من أبواب الصلح ، الحديث 4 .
2 منهم : الشهيد الثاني في الروضة البهية 9 : 335 ، والمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 3 : 199 .
3 انظر الحدائق 5 : 189 .
4 انظر الجواهر 41 : 602 .