ولكن لم يتعرّض كثير من الفقهاء من المتقدّمين ومن بعدهم لهذا الموضوع أصلا ، فدعوى عدم الخلاف في ذلك قابلة للتأمّل .
صور الانتقال :
للانتقال عدّة صور يكون بعضها سببا للطهارة ، نشير إليها فيما يأتي :
الصورة الأولى :
أن ينتقل النجس - كدم الإنسان - إلى حيوان طاهر ليس له نفس سائلة ، كالبقّ والبعوض والسمك ، بحيث يقال له : دم البعوض ، ولا يقال : دم الإنسان .
وهذه الصورة هي القدر المتيقّن ممّا حكموا بسببيّته للطهارة .
وقد ذكرت عدّة توجيهات لذلك غير عدم الخلاف الذي ادّعاه بعضهم ، وتلك التوجيهات هي :
الأوّل - أنّ ملاك الطهارة هو صدق الاستحالة ، فإنّ دم الإنسان المنتقل إلى البقّ يستحيل إلى جزء منه ، والاستحالة هي سبب مستقلّ للطهارة ، كما تقدّم الكلام عنها في عنوان « استحالة » .
وممّن صرّح بهذا التوجيه الشهيد الأوّل حيث قال : « يطهر الدم بانتقاله إلى البعوض والبرغوث ؛ لسرعة استحالته إلى دمها » « 1 » .
وقال النراقي عند عدّه المطهّرات : « ومنها :
انتقال الدم النجس العين - كدم الإنسان - إلى بدن ما لا نفس له ، واستحالته إلى دمه عرفا ، والظاهر عدم الخلاف في طهارته » « 1 » .
ثمّ نفى أن يكون ملاك الطهارة تغيّر الاسم والإضافة فقط .
الثاني - أنّ ملاك الطهارة هو الاستحالة ، ولكن بتوجيه أنّ ذلك يستلزم تغيير الاسم والعنوان الذي هو مناط الحكم .
قال ذلك صاحب المعالم ، وعبارته هكذا :
« وعدّ كثير من الأصحاب في باب الاستحالة المطهّرة أشياء لا خلاف بينهم في طهارتها . . . » ، ثمّ ذكر تلك الموارد ومن جملتها الانتقال ، ثمّ قال :
« والوجه في ذلك كلّه - مع الإجماع المدّعى في كثير من صوره - : أنّ الاسم الذي هو مناط الحكم بالنجاسة زائل معها ، فيزول التنجيس » « 2 » .
والظاهر أنّ هذا هو مراد النراقي في مجموع كلامه ؛ لأنّه جعل الملاك تغيّر الاسم الحاصل بسبب الاستحالة .
الثالث - أنّ ذلك من باب تبدّل الاسم والعنوان ؛ لأنّ بعد انتقال الدم من الإنسان إلى البعوض وصيرورته جزءا منه تتغيّر الإضافة والعنوان ، فيقال له : دم البعوض ، ولا يقال له : دم الإنسان ، والأحكام تابعة للأسماء والعناوين ، فحكم دم البعوض الطهارة ، وحكم دم الإنسان النجاسة .
هامش
- وصاحب الحدائق ، وصاحب المستند ، وصاحب الجواهر .
( 1 ) انظر الذكرى 1 : 131 .
1 مستند الشيعة 1 : 331 .
2 معالم الدين ( قسم الفقه ) 2 : 787 .