يستفاد حكم هذه المسألة منه ، وهو : أنّه لو جرح الإنسان شخص آخر ، فداوى المجروح جرحه بدواء سمّي فأدّى إلى موته :
فإن كان الموت مستندا إلى السمّ بحيث لولاه لم يمت المجروح من جرحه ، فيكون المجروح هو الذي قتل نفسه ، ولا قصاص ولا دية على الجارح إلّا بمقدار الجرح .
وإن كان مستندا إلى الجرح ، فالقاتل هو الجارح ، وفسّر الشهيد الثاني « 1 » ذلك بما إذا صار بسبب الجرح بحكم المذبوح ، بمعنى أنّه لم تكن له حياة مستقرّة بعد الجرح .
وبناء على هذا التفسير ، لمّا كان للمريض - في مفروض البحث - حياة مستقرّة وإن كان يعلم أنّه سيموت بعد شهر أو أسبوع أو يوم ، فلو أقدم على استعمال دواء يعجّل موته ، كان قاتلا لنفسه ومنتحرا « 2 » .
2 - الانتحار خوفا من إفشاء السرّ :
إذا وقع المؤمن أو المسلم بيد العدوّ ، أو خاف أن يقع ، وكانت عنده أسرار هامّة لو انكشفت للعدوّ ألحق بالمسلمين أو المؤمنين أضرارا بالغة ، مثل :
سفك دمائهم وهتك أعراضهم ونحو ذلك ، فهل يجوز لهذا الشخص أن ينتحر خوفا من إفشائه للسرّ بسبب التعذيب الذي سيوصل إليه ، أم لا ؟
لم أعثر فعلا على تصريح بهذا الشأن . نعم يدخل هذا المورد وشبهه في قاعدة التزاحم ، ولابدّ من ملاحظة مرجّحاته التي أهمّها : تقديم الأهمّ على المهم .
فإذا كان حفظ النفس من الهلاك واجبا ، وإهلاكها حراما ، وإذا كان إفشاء السرّ موجبا للحوق الضرر الكبير بالمؤمنين والمسلمين ، ولا إشكال في حرمة إلحاق الضرر بهم ، فيدور الأمر بين مراعاة وجوب حفظ النفس ومراعاة حرمة إلحاق الضرر بالمؤمنين .
فإن كانت مراعاة حرمة إلحاق الضرر بالمؤمنين أهمّ من وجوب حفظ النفس ؛ لأنّ الضرر الملحق بهم عظيم جدّا ، فينبغي تقديم جانب حرمة الإضرار بالمسلمين على جانب وجوب حفظ النفس وحرمة إهلاكها .
والموارد من هذا القبيل كثيرة ، منها ما ذكروه في كتاب الجهاد : من أنّه لو تترّس الكفّار بالأسرى المسلمين ، وتوقّف دفعهم على قتل الكفّار والمسلمين معا ، جاز وإن كان لبعضهم كلام في بعض المصاديق ؛ ولذلك قال صاحب الجواهر بعد البحث في ذلك :
« وخلاصة الكلام : أنّ قتل الكافر الحربي
هامش
( 1 ) انظر المسالك 15 : 79 .
( 2 ) سمعت قبل أيام - واليوم هو 23 / محرّم الحرام / 1423 ه . ق ، 7 / نيسان / 2002 م - من إذاعة طهران : أنّ هولندا أجازت هذا النوع من الانتحار ، ورفعت المسؤولية عن الأطباء الذين يجوّزون العقاقير المؤدّية إلى قتل هؤلاء المرضى ، ويسمّى بالقتل شفقة« Euthansia ».