وقال - أي ابن إدريس - بعد نقل كلام ابن بابويه : « الذي يقوى عندي في تحرير هذا القول ، وما ذكره وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته :
أن يحمل الخبر على أنّ صاحب الدين طالب المدين خارج الحرم ، ثمّ هرب منه والتجأ إلى الحرم ، فلا يجوز لصاحب الدين مطالبته ولا إفزاعه ، فأمّا إذا لم يهرب إلى الحرم ، ولا التجأ إليه خوفا من المطالبة ، بل وجده في الحرم وهو مليّ بماله موسر بدينه ، فله مطالبته وملازمته » « 1 » .
وقال العلّامة في المختلف بعد نقل ما تقدّم :
« والأقرب عندي كراهة ذلك على تقدير الإدانة خارج الحرم دون التحريم ؛ عملا بالأصل ، والإباحة مطلقا على تقدير الإدانة في الحرم » « 2 » .
وقال الشهيد الأوّل بعد نقل قول العلّامة :
« وهو نادر » « 3 » .
واختلف القائلون بتحريم المطالبة ، فبعضهم خصّها بصورة الالتجاء ، وعمّمها بعض آخر بغيرها ، كما إذا وجد المدين اتّفاقا . ولا يهمّنا هذا التفصيل ؛ لأنّ القدر المتيقّن من حرمة المطالبة - على القول بها - هي صورة الالتجاء « 4 » .
تنبيه ( 1 ) :
اختلف الفقهاء المتعرّضون لهذا الموضوع في أنّ الحكم يشمل مسجد النبيّ صلى اللّه عليه وآله ومشاهد الأئمّة عليهم السّلام أم لا ؟
وقد تقدّم الكلام عن هذا الخلاف فيما سبق ، ونضيف أنّ صاحب الحدائق « 1 » صرّح بعدم الإلحاق هنا .
تنبيه ( 2 ) :
قال الكاشاني : « أمّا لو التجأ المديون إليه « 2 » ، لم يجز مطالبته فيه ، بل يضيّق عليه في المطعم والمشرب إلى أن يخرج ؛ للآية
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
« 3 » كذا قالوه » « 4 » .
فنسب القول بالتضييق عليه إلى الفقهاء ، لكن اعترضه صاحب الحدائق فقال : « ما نقله عنهم من الكلام الأخير لم أقف عليه فيما حضرني من كلامهم في الدين ، نعم ذلك في الجناية كما وردت به الأخبار ، وصرّح به الأصحاب » « 5 » .
أقول : ممّن صرّح به من الأصحاب المحقّق الكركي ، حيث قال في كتاب الدين - بعد أن استوجه
هامش
( 1 ) السرائر 2 : 32 .
( 2 ) المختلف 5 : 370 .
( 3 ) الدروس 3 : 311 .
( 4 ) وممّن علّق حرمة المطالبة على الالتجاء العلّامة في القواعد 2 : 101 ، والتحرير 2 : 449 ، وولده في إيضاح الفوائد 2 : 2 ، والشهيد في الدروس 3 : 311 ، - - إلّا أنّه قال : « والرواية تدلّ على تحريم المطالبة لو ظفر به من غير قصد الالتجاء » .
1 انظر الحدائق 20 : 164 .
2 أي إلى الحرم .
3 آل عمران : 97 .
4 المفاتيح 3 : 134 ، المفتاح 1010 .
5 الحدائق 20 : 163 .