التدرّج في مراتب الأمر والنهي ، وفي كلّ مرتبة منها لو كان لها مراتب ، فيراعى في ذلك الأيسر فالأيسر ، فيقتصر أوّلا على الانكار القلبي على وجه يظهر للمأمور أو المنهي ذلك ، ثمّ المرتبة الأخرى منه الأيسر فالأيسر إلى أن تنتهي مراتبه بأقسام الهجر وتغيير الوجه ونحوهما ، فإن لم يجد استعمل اللسان أيضا بمراتبه :
الأيسر فالأيسر ، فإن لم يجد استعمل اليد أيضا بمراتبها ، كلّ ذلك لقوله تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
« 1 » ، فإنّه تعالى قدّم الصلح على القتال .
إضافة إلى عموم حرمة إيذاء المؤمن الذي خرج منه مقدار الضرورة « 2 » .
ولكن كلّ ذلك مع فرض ترتّبها في الإيذاء ، وإلّا فلو فرض أنّ الهجر أشدّ إيذاء من بعض القول ، ترك الهجر وانتقل إلى القول .
ولو علم من أوّل الأمر أنّه لا يجدي إلّا المرتبة الأخيرة من المراتب استعملها من غير تدرج ؛ لأنّ التدرّج إنّما هو في مجهول الحال .
ومع فرض التساوي في التأثير والإيذاء ، سواء كان بين فردين من مرتبة واحدة ، أو بين مرتبتين كالقول الغليظ والضرب الخفيف ، يجب الأوّل بناء على قاعدة « مراعاة الأيسر فالأيسر » ، ويحتمل التخيير .
وكلّ ما تقدّم أمر نسبي يختلف باختلاف الأشخاص - الآمر والمأمور ، والناهي والمنهي - والظروف المكتنفة بهم ، فربّ إعراض وهجر من بعض الأشخاص بالنسبة إلى بعض الأشخاص يكون أشدّ إيذاء من بعض الكلام ، فالميزان في جميع ذلك مراعاة الأيسر فالأيسر ، وهو أحوط « 1 » .
عدم ضمان الآمر والناهي [ لو تلفت آلات المنكر ] :
لا يجوز إتلاف مال الغير إلّا إذا أذن الشارع فيه ، وقد أذن بذلك في موارد ، منها ما إذا توقّف دفع المنكر عليه .
والشيء المتلف تارة يكون كآلات القمار والملاهي والصلبان وأواني الذهب والفضّة التي لم يجعل الشارع لصورها وهيئاتها مالية ، وإن كان لموادها قيمة .
وتارة أخرى يكون لصورها قيمة أيضا .
وسنتطرّق إلى كلّ منهما فيما يأتي :
أوّلا - إذا لم تكن لصورها قيمة :
فإذا لم يكن لهيئاتها مالية من الناحية الشرعية وإن كان لها قيمة من الناحية العرفية - أي عرف غير المتشرّعين - فيجوز للناهي عن المنكر إتلاف الصورة فقط إن أمكن وكفى في دفع
هامش
( 1 ) الحجرات : 9 .
( 2 ) راجع : فقه القرآن 1 : 359 ، وكنز العرفان 1 : 407 ، والجواهر 21 : 378 .
1 راجع كلّ ذلك في الجواهر 21 : 380 .