اللّه طاعة أحد على الإطلاق إلّا من ثبتت عصمته وعلم أنّ باطنه كظاهره وامن منه الغلط والأمر بالقبيح ، وليس ذلك بحاصل في الامراء ولا العلماء سواهم ، جلّ اللّه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه ، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل ؛ لأنّه محال أن يطاع المختلفون ، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه . . . » « 1 » .
ويقرب من ذلك - من حيث أصل الدعوى وإن اختلف معه من حيث التطبيق - ما قاله الزمخشري والرازي ، حيث قال الأوّل : « والمراد ب
أُولِي الْأَمْرِ
امراء الحقّ ؛ لأنّ امراء الجور ، اللّه ورسوله بريئان منهم ، فلا يعطفون على اللّه ورسوله في وجوب الطاعة لهم . . . » « 2 » .
ثمّ مثّل لأمراء الحقّ بالخلفاء الراشدين .
وقال الثاني : « إنّ اللّه تعالى أمر بطاعة اولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بدّ وأنّ يكون معصوما عن الخطأ . . . » « 3 » .
ثمّ قال ما مضمونه : إنّ ذلك المعصوم هو أهل الحلّ والعقد من الامّة ! !
إطاعة الفقهاء :
المنصوبون من قبل اولي الأمر - وهم الأئمّة عليهم السّلام على مذهب أهل البيت عليهم السّلام - : تارة منصوبون بنصب خاصّ ، كنصب الإمام عليّ عليه السّلام لمالك الأشتر نائبا وواليا من قبله على مصر « 1 » ، وكنصب الإمام الباقر عليه السّلام أبان بن تغلب مفتيا في مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وآله « 2 » .
وأخرى منصوبون بنصب عام ، كنصب الفقهاء بصورة عامّة من قبل الأئمّة عليهم السّلام عند عدم حضورهم ؛ إمّا لبعد مسافة وعدم إمكان وصول الشيعة إلى الإمام عليه السّلام ؛ أو لغيبته كما في عصرنا الحاضر « 3 » .
أمّا وجوب الطاعة في موارد النصب الخاصّ ، فلا إشكال فيه إذا كان المنصب يحتوي على جانب ولائي وقضائي ، ولم يكن منحصرا في الإفتاء مثلا « 4 » .
وأمّا وجوبها في موارد النصب العام ، فذلك أمر يحتاج إلى توضيح فنقول : للفقيه المنصوب بنصب عام في زمن الغيبة مناصب ثلاثة ، وهي :
هامش
( 1 ) مجمع البيان ( 3 - 4 ) : 64 .
( 2 ) تفسير الكشّاف 1 : 535 .
( 3 ) التفسير الكبير 10 : 144 .
1 نهج البلاغة : قسم الرسائل ، الرسالة 53 ، رسالته عليه السّلام إلى مالك الأشتر .
2 انظر معجم رجال الحديث 1 : 144 ، ترجمة أبان بن تغلب .
3 انظر روايات النصب ، مثل مقبولة عمر بن حنظلة ومعتبرة أبي خديجة في الكافي 7 : 412 ، باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور ، الحديثين 4 و 5 .
4 كما في نصب أبان للإفتاء ، فإنّ وجوب الأخذ بقوله : إنّما هو من باب أنّه حجّة شرعية قامت على حكم شرعي ، لا من باب وجوب إطاعته ، كما سيتّضح .