وبما تقدّم يتّضح أنّ دلالة الإشارة ليست من دلالة المنطوق « 1 » ، ولا من دلالة المفهوم ، وقد سمّاها بعضهم ب « الدلالة السياقيّة » ؛ لأنّ سياق الكلام يدلّ عليها ، وقد نسبت هذه التسمية إلى جماعة من الأساطين « 2 » .
ومثاله : دلالة مجموع قوله تعالى :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
« 3 » مع قوله تعالى :
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
« 4 » على أقلّ مدّة الحمل ، وهو ستّة أشهر « 5 » .
ومن هذا القبيل دلالة وجوب الشيء على وجوب مقدّمته ؛ لأنّه لازم له ، لزوما بيّنا بالمعنى الأعمّ ؛ ولذلك جعلوا وجوب المقدّمة وجوبا تبعيّا لا أصليّا ؛ لأنّه ليس مدلولا للكلام بالقصد وإنّما يفهم بالتبع ، أي بدلالة الإشارة « 6 » .
حجّية دلالة الإشارة :
جرى ذكر هذه الدلالة - ودلالتي الاقتضاء والإيماء - على لسان الفقهاء والأصوليين ، لكن اكتفوا بذكرها والتمثيل لها بالآيتين من دون أن يتطرّقوا إلى البحث عن حجّيتها غالبا . نعم تطرّق إليه بعضهم ويستفاد من كلام بعض آخر .
فمثلا : قال الشهيد الأوّل : « يستفاد من دلالة الإشارة أحكام » « 1 » ، ثمّ ذكر استفادة أقلّ الحمل من الآيتين ، وكلامه يدلّ على حجّيتها عنده .
وقال الفاضل التوني : « وحجّيته ظاهرة إذا كان اللازم قطعيّا » « 2 » .
وقال المحقّق القمّي : « وهذه الدلالة متروكة في نظر أرباب الفنّ » « 3 » .
لكن قال في بحث مقدّمة الواجب : « . . . نعم يمكن القول باستلزام الخطاب لإرادتها حتما بالتبع ، بمعنى أنّه لا يرضى بترك المقدّمة ، ولا يجوز تصريح الآمر بعدم مطلوبيّتها ؛ للزوم التناقض من باب دلالة الإشارة » « 4 » .
فإنّ طلب المقدّمة - ولو تبعا - والرضا بتركها يستلزم التناقض ، فيكون مجموع الطلب والرضا بالترك دالّا بدليل الإشارة على التناقض .
ولأجل التخلّص من التناقض لا بدّ من القول بعدم الرضا بترك المقدّمة وهو معنى وجوبها .
ولعلّ مقصوده من العبارة الأولى : عدم اعتبار
هامش
( 1 ) ويرى بعضهم أنّها من دلالة المنطوق غير الصريح ، في مقابل الصريح . انظر الوافية : 228 .
( 2 ) أصول الفقه ( للمظفّر ) 1 : 121 .
( 3 ) الأحقاف : 15 .
( 4 ) لقمان : 14 ، وذكر بعضهم بدلها آية :وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ .البقرة : 233 .
( 5 ) ذكره أغلب من ذكر هذا الدليل . انظر مثلا الوافية :
229 ، وفوائد الأصول ( 1 - 2 ) : 477 ، وأصول الفقه 1 : 124 ، وغيرها .
( 6 ) أصول الفقه 1 : 124 .
1 القواعد والفوائد 1 : 245 ، القاعدة 281 .
2 الوافية : 229 .
3 القوانين 1 : 71 .
4 القوانين 1 : 104 .