ينتظرون وصول الأمير برسق بن برسق صاحب همذان . وجرت أمور أدت إلى تفرق الأمراء ورحيل العساكر وعدم جدوى تحريض أتابك على قصد طرابلس ، ولم يتخلف معه إلا الأمير مودود ، فرحلا عن المعرة ونزلا على العاصي . ولما عرف الإفرنج رحيل العساكر وتفرقهم اجتمعوا ونزلوا أفامية بأسرهم : بغدوين وطنكري وابن صنجيل بعد التباين والمنافرة والخلف وصاروا يدا واحدة وكلمة متفقة على الإسلام وأهله . ورجفوا إلى البلاد التي لم تقع بعد في حوزتهم ، فقصدوا ثغر صور وحاصروه حصارا شديدا ودافع الصوريون دفاعا رد عن ثغرهم الغزاة . وكان لمقدم من مقدمي البحرية عارف بالصنعة من أهل طرابلس يد مشكورة في الدفاع ، فترك الإفرنج صور إلى عكاء .
وفي الثاني من شعبان من هذه السنة ورد الخبر بهلاك بدران بن صنجيل صاحب طرابلس بعلة لحقته ، وأقام ابنه في الأمر من بعده وهو طفل صغير كفله أصحابه ودبروا أمره مع طنكري صاحب أنطاكية ، وجعلوه من قبله . وأقطعه انطرطوس وصافيتا ومرقية وحصن الأكراد .
وفي سنة 506 انتقضت الموادعة بين ظهير الدين أتابك وبغدوين .
وحرص هذا وقد ضايقه على إعادتها ، فلم يجبه أتابك ، وكان الواسطة في مراسلة أتابك جوسلين الذي غاضب بغدوين الرويس صاحب الرها واتفق مع بغدوين ملك القدس ، وبذل جوسلين لأتابك المصافاة والمودة ورغبة في الموادعة والمسالمة وسلم إليه حصن ثمانين وجبل عاملة ، ويتعوض عن ذلك بحصن الحبيس في السواد ونصف السواد وتضمن عن بغدوين الوفاء بذلك والثبات وترك التعرض لشيء من أعمال دمشق ولا يعرض هو لشيء من أعمال الإفرنج فلم يجب إلى ذلك . ولما يئس من إجابة أتابك واصل الغارات والفساد في الشام إلى أن وصل عسكر السلطان إلى عمله وبالغ أتابك فيما حمله إلى الأمير مودود واعظامه وإكرامه وما حمله إليه وإلى مقدمي عسكره وخواصه . ثم نهضوا معلمين على النزول على الأقحوانة ووصل إلى بغدوين ( سرخاله ) صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وأجمعوا رأيهم على النزول غربي جسر الضبرة ثم يقطعون الأقحوانة للقاء المسلمين . وقد احتاطوا على أثقالهم وراء الجسر والمسلمون لا يعلمون بذلك وأنهم قد عارضوهم في المسير إلى هذا المنزل ، فسبق الأتراك إلى
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 404
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٤٠٤