وفي كتاب تتبعات ( بيروت ) بعد ذكره غلبة المسلمين للرومان على طرابلس ، وازدهارها في أيامهم زراعة وتجارة وعلما قال : ولكن لم يطل هذا الفيض العلمي بل رمت أوروبا هذه البلاد بشرذمة من جهلائها الصليبيين الذين هم أعداء العلم والمعرفة فكانوا المانعين لبقاء تلك النعمى العظمى ، وقد كاد موجودا في طرابلس إبان هجومهم زهاء أربعة آلاف من مصانع الحرير والصوف ، فلم يدرك أولئك الإفرنجيون قيمة تلك الثروة البشرية والطبيعية بل كانوا يخربون كل ما وصلت أيديهم إليه من آثار العمران ، فقطعوا أشجار الزيتون بقصد نكاية المسلمين ثم عمدوا إلى الرياض المحيطة بالبلدة على مسافة بضعة كيلومترات ، فأبادوها قطعا وقلعا وجعلوها خاوية على عروشها ، ولذلك فإن الزراعة والصناعة تقهقرت بعد استيلائهم على البلدة حتى أشفت على العدم .
ازدهارها بعد استيلاء الفرنج عليها
قال المؤرخ جرجي يني في مباحثه م 2 : ولما امتلك الفرنجة البلد حصنوها وزادوها منعة بما بنوا فيها من الأسوار والأبراج وبمن جعلوا على حراستها من قومهم . ولم يمض على المدينة بعد فتحها إلا زمن قصير حتى عادت إلى الازدهار بتجارتها وغناها وعظم مبانيها ، حتى أنها امتدت واتصلت من الساحل حتى تل الغرباء والمرتفع الآخر على العدوة اليمنى من النهر ( القبة ) . وأقيم بينهما جسر أطلق عليه يومئذ جسر تل الغرباء وهو المعروف حتى اليوم بالجسر العتيق .
[ الأحداث المتجددة عليها في العهد الصليبي ]
وجاء في تاريخ سورية لجرجي يني : « ومذ صارت طرابلس بلدة صليبية ضم إليها بعض المدن المجاورة كجبيل وعرقا وطرطوس وما بينها ، فتشكلت إمارة باسمها كان يتأمرها أولا برتران بن رايموند كونت دوتولوس ، ثم نسله من بعده : وكانت تلك الأميرية متعلقة رأسا بحكومة ملك بيت المقدس » .
لم يغفل أمراء المسلمين عن هذه المدينة فلم تستتبّ لأمرائها الفرنج راحة وهي تغزى من المسلمين المرة بعد المرة ، فكانت حالها كحال البلاد