فأصحب ولده المذكور من الهدايا والتحف من الخيول والثياب وغير ذلك مما يحسن إنفاذ مثله . واستوزر له أبا النجم هبة اللّه بن محمد بن بديع الذي كان مستوفيا للسلطان الشهيد تاج الدولة ، وجعله مدبرا لأمره وسفيرا بينه وبين من أنفذ إليه . وتوجه في الثامن من شهر رمضان سنة 501 . فلما وصل إلى بغداد لقي فخر الملك من السلطان من الإكرام والاحترام ما زاد على أمله ، وتقدم إلى جماعة من أكابر الأمراء بالمسير معه لمعونته وإنجاده على طرد محاصري بلده والإيقاع بهم والإبعاد لهم . وقرر مع العسكر المجرد معه الإلمام بالموصل وانتزاعها من يد جاولي سقاوة ، ثم المصير بعد ذلك إلى طرابلس . ولكنه جرى ما جرى من الخلاف بين الأمراء ما أخفقت معه به مهمة ابن عمار وطال مقامه طولا ضجر معه . وعاد إلى دمشق في نصف المحرم سنة 502 .
وأقام فخر الملك في دمشق بعد وصوله إليها أياما وتوجه منها مع خيل من عسكر دمشق جردت معه إلى جبلة فدخلها وأطاعه أهلها . وأنفذ أهل طرابلس إلى الأفضل بمصر يلتمسون منه إنفاذ وال يصل إليهم في البحر ومعه الغلة والميرة في المراكب لتسلم إليه البلد . فوصل إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب واليا من قبل الأفضل ومعه الغلة . فلما وصل إليها وحصل فيها قبض على جماعة فخر الملك بن عمار وأصحابه وذخائره وآلاته وأثاثه وحمل الجميع إلى مصر في البحر .
وفي سنة 502 في شعبان نزل الإفرنج بمجموعهم وحشدهم على طرابلس وشرعوا في قتالها ومضايقة أهلها منذ أول شعبان إلى الحادي عشر من ذي الحجة ، وشاء اللّه أن تعاكس الريح السفن المصرية الحاملة إليها الميرة والنجدة وتضعف عزيمة حاميتها عن الدفاع ، فيملكها الإفرنج عنوة في يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها ، وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر علمها وما كان منها في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصر فيذكر « 1 » . وتقرر بين الإفرنج والجنويين على أن يكون للجنويين الثلث من البلد وما نهب منه والثلثان لريمند بن صنجيل ، وأفردوا للملك بغدوين من
هامش
( 1 ) عن القلانسي .