تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
أصبحت حلب من بدء ذلك العهد وهي عاصمة الحمدانيين بعد أن غلبوا عليها الإخشيديين ملوك مصر والشام مثابة الشيعيين ومختلف رجالاتهم ومستناخ رواحل الطارئين عليها من أمهات البلدان القريبة والسحيقة ينسلون إليها من كل حدب ، حيث يستمرئون المرعى الخصيب ، وينتجعون نجعة الراحة ، ويعتبقون عبق الحرية المذهبية ، فعمرت بهم بيوت العلم ، وراجت فيهم سوقه ، ونفدت سلعه . ولم تكن الرحلة إلى حلب وإن كانت قد أصبحت عاصمة الشيعة وقفا على الشيعيين فقط بل كانت مشرعا عذبا عاما وموردا مشاع المنهل بين الواردين إليه منهم ومن إخوانهم السنيين بفضل ترفيه الأمير سيف الدولة الحمداني على العلماء كافة من أي مذهب كانوا ولأية ملة انتسبوا وانبساط كفه إليهم بالأعطيات ، واتساع صدره الرحيب إلى كل من يؤم حضرته ويتوسط فناءه لكسب مغنم أو فك مغرم . فكانت أيامه على الشيعة وعلى الخاصة منها ومن غيرها وعلى المملكة الحلبية غرّا محجلة ، وعلى بلاد الإسلام معقلا منيعا . وعلى العلم والآداب العربية بيضاء نقية مباركة لا كما زعمه بعض الكتاب المتأخرين إذ قال « ولم تكن حكومة سيف الدولة مباركة على حلب بقدر ما صورها شعراؤه الذين كان يغدق عليهم هباته ليقطع ألسنتهم ويشغلهم عنه » . وليس من الإنصاف أن ندفع المستفيض أو المتواتر من روايات مناقبه وأعماله الحسان برواية الآحاد خبرا أو خبرين إن بررناهما من التزوير والاختلاق فلا نراهما بمحبطين حسناته التي لا تحصى وهل من العدل أن نضرب بما كتبه الإمام أبو منصور الثعالبي من غرر آثاره وأخباره وغيره من الأئمة عرض الجدار وجلهم يكتب للتاريخ ، وأن نصم الجم الغفير منهم ومن شعرائه بوصمة الدهان والرياء ونتمسك بخبر إن صح فلم يكن ليسلم منه متآمر مهما كان محله من العدل . ومن يطلب الاستزادة من معرفة أيادي ذلك الأمير العربي الجليل البيضاء على حلب وعلى العلم والعلماء فما عليه إلا أن يتصفح ما دوّنه منها الإمام الثعالبي في يتيمته ، وناهيك بها معرفا بفضله ، ومنوها بقدره ، ولم نعقد هذا الفصل لهذا البحث الذي تخرجنا الإفاضة فيه عن الغرض المقصود . وبعد فقد تمتع الشيعة في هذا العهد بحريتهم المذهبية ، وأصحروا