تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
جالس بحضرته يوما إذ جاءه برّاج بكتاب طائر عرّفه سقوطه من بغداد . فلمّا قرأه اسودّ وجهه واسترجع ، وأظهر قلقا وغمّا ، وقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون . . . يا قوم المتعجرف الأحمق الجاهل المبذّر السخيف الرأي الرديء التدبير الفقير القليل الجيش يقتل الحازم المرتفق العاقل الوثيق الرأي الضابط الجيّد التدبير الغني الكثير الجيش . فرمى الكتاب وقال : قف عليه ، فإذا هو كتاب خليفته ببغداد بتاريخ يومين يقول : إنّ في هذه الساعة تناحرت الأخبار وصحت بقتل أبي عبد اللّه البريدي أخاه أبا يوسف واستيلائه على البصرة . قال : فّلما قرأت ذلك مع ما سمعته من كلامه متّ جزعا وفزعا ولم أشكّ أنّه يعتقدني كأنّي أبو عبد اللّه البريدي في الأخلاق التي وصفه بها ، ويعتقد في نفسه أنه كأبي يوسف ، وقد جئته في أمر جيش ومال ، ولم أشكّ أنّ ذلك سيولّد له أمرا في القبض عليّ وحبسي ، فأخذت أداريه وأسكّن منه وأطعن على أبي عبد اللّه البريدي وأزيد في الاستقباح لفعله وتعجيز رأيه إلى أن انقطع الكلام . ثم أظهرت له أنه ظهرت الحمّى التي تجيئني وأنه وقتها ، وقد جاءت ، فقمت . فقال : يا غلمان بين يديه ، فركبت دابتي وحركت إلى معسكري ، وقد كنت منذ وردت وعسكري ظاهر البلد ، ولم أنزل دارا . قال : فحين دخلت إلى معسكري ، وكان بالدير الأعلى ، لم أنزل ، وقلت لغلماني : ارحلوا الساعة ولا تضربوا بوقا ، واتبعوني . وحركت وحدي . فلحقني نفر من غلماني وكنت أركض على وجهي خوفا ، من مباردة ناصر الدولة إليّ بمكروه . قال : فما عقلت حتى وصلت إلى بلد في نفر قليل من أهل معسكري ، وتبعني الباقون ، فحين وردوا نهضت للرحيل ، ولم أدعهم أن يريحوا وخرجنا . فلمّا صرنا على فرسخ من البلد إذا بأعلام وجيش لاحقين بنا ، فلم أشكّ أن أخي أنفذهم للقبض عليّ ، فقلت لمن معي : تأهّبوا للحرب ولا تبدأوا وحثوا السير . قال : فإذا بأعرابيّ يركض وحده حتى لحق بي وقال : أيّها الأمير ما هذا السير المحث ؟ خادمك ( دنحا ) قد وافى برسالة الأمير ناصر الدولة ويسألك أن تتوقف عليه حتى يلحقك . قال : فلمّا ذكر دنحا ، قلت : لو كان شرّا ما ورد دنحا فيه ، فنزلت وقد كان السير كدّني والحمّى قد أخذتني ، فطرحت نفسي لما بي ، ولحقني دنحا وأخذ يعاتبني على شدّة السير ، فصدقته عمّا كان في نفسي . فقال : اعلم أن الذي ظننته انقلب وقد تمكنت لك في نفسه هيبة بما