وكان صديقه ؛ وغسله عبد الحميد بن سهل المالكي قاضي الكوفة وغسله ثمان غسال بالماء أوّلا ثم بالسدر ثم بالصندل ثم بالذريرة ثم بالعنبر ثم بالكافور ثم بماء الورد ثم بماء القراح أخيرا غسلين ، ونشف بثوب دبيقيّ سعيديّ ثمنه نيّف وخمسمائة دينار ، وأخذه الغاسل مع ما أخذ منه ، وصبّر برطلين صبر ورطل مرّ ومنّين كافور ، وجعل في لحيته ونحره مائة مثقال كافور وكفّن في تسعة أثواب تساوي ألف دينار ، منها قميص قصب أدرج فيه بالكافور ، ورداءان مغمدان خزّ يمانيّ وثوب شرب « 1 » وعمامة شرب ، وجعل في التابوت مضرّبة دبيقيّة سعيديّة ومخدّتان ، وجعل في الفراش كافور ، وحمل ، وصلّى عليه أبو عبد اللّه النسائي إمام الشام وكان من الكوفة ، وكبّر عليه خمسا وحمل فراشه إلى الأفطس العلوي بوصية .
قيل : واجتمع الناس بحلب إلى أبي الحسن علي بن عمرو الحاجب ، وعقدوا الأمر والإمارة للأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة ، ويلقب سعد الدولة .
قيل : وتسلّم تابوت سيف الدولة غلام له اسمه تقي ، وحمله وسار به إلى ميافارقين في شهر ربيع الآخر من السنة فوصلها ودخل به إلى البلد ، ومضى به ونزل إلى التربة التي بناها ، وأخرجه من التابوت ووضعه في القبر بوصية أوصى بها ، وترك تحت خده في قبره لبنة صغيرة من تراب كان جمعه من نفض غبار درعه عند عودته من الغزاة ، فاجتمع وجعل لبنة بقدر الكفّ ، وجعلت تحت رأسه ، وقيل تحت خده ، ودفن عند أمه وأخته .
قيل : واجتمع عند سيف الدولة من أهله جماعة كثيرة ، وكانوا عنده في جملته ، وتحت كنفه ، بحيث يقال إنّ أخت سيف الدولة صعدت يوما إلى برج علي بن وهب ، وكان قد أضيف إلى القصر ، فاطلعت على الميدان الذي هو الآن بستان الميدان ، فرأت بالميدان من أهلها ما يقارب عشرين ألف فارس ، فقالت : لا إله إلّا اللّه ، يوشك أن تقوم الساعة على آل حمدان ، هذا سوى ما كان عند ناصر الدولة من أهله وأولاده ومن كان بالشام مقيما منهم . قيل : فما مرّ بهم غير ستين أو سبعين سنة حتّى ماتوا
هامش
( 1 ) شرب : نوع من القماش .