« وذكر ( الافليلي ) أن المتنبي أنشد سيف الدولة بن حمدان في الميدان القصيدة التي أوّلها :
لكل امرئ من دهره ما تعوّدا * وعادة سيف الدولة الطعن في العدى
فلمّا عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إيّاها فأنشدها قاعدا ، فقال بعض الحاضرين ( يريد أن يكيد أبا الطيّب ) : لو أنشدها قائما لأسمع ، فإنّ أكثر الناس لا يسمعون ؛ فقال أبو الطيب : أما سمعت أوّلها : ( لكل امرئ من دهره ما تعوّدا ) . وهذا من مستحسن الأجوبة ، وبالجملة فسموّ نفسه وعلوّ همّته وأخباره وماجرياته كثيرة والاختصار أولى « 1 » » .
« حكي أنّ سيف الدولة لمّا ورد إلى بغداد وقت توزون ، اجتاز وهو راكب فرسه وبيده رمحه وبين يديه عبد له صغير ، وقصد الفرجة وأن لا يعرف ، فاجتاز بشارع دار الرقيق على دور بني خاقان وفيها فتيان ، فدخل وسمع وشرب معهم وهم لا يعرفونه وخدموه . ثم استدعى عند خروجه الدواة فكتب رقعة وتركها فيها ثم انصرف ، ففتحوا الدواة فإذا في الرقعة ألف دينار على بعض الصيارف فتعجبوا وحملوا الرقعة وهم يظنّونها ساذجة ، فأعطاهم الصيرفي الدنانير في الحال والوقت ، فسألوه عن الرجل ، فقال : ذاك سيف الدولة بن حمدان « 2 » » .
« أخبرني طلحة بن عبيد اللّه بن قناش قال :
كنت يوما على مجلس حديث وأنس بحضرة سيف الدولة أنا وجماعة من ندمائه فأدخل عليه رجل وخاطبه ، ثم أمر بقتله ، فقتل في الحال .
فالتفت إلينا فقال : ما هذا الأدب السيّئ وما هذه المعاشرة القبيحة التي نعاشر ونجلس بها ! ! ! كأنكم ما رأيتم الناس ولا سمعتم أخبار الملوك ولا عشتم في الدنيا ، ولا تأدبتم بأدب دين ولا مروءة . قال : فتوهمنا أنّه قد شاهد من بعضنا حالا يوجب هذه ؛ فقلنا : كل الأدب ، إنما يستفاد من مولانا ( أطال اللّه بقاءه ) - وهكذا كان يخاطب في وجهه - وما علمنا أنّا عملنا ما يوجب هذا فإن رأى أن ينعم بتبيينها فعل . فقال : ما رأيتموني وقد
هامش
( 1 ) نخب تاريخية وأدبية . . . ص 337 ، 338 .
( 2 ) نفسه : ص 345 ، 346 .