الحرم ، فقال أبو الطيّب بعد رجوعه في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة :
بغيرك راعيا عبث الذئاب * وغيرك صارما ثلم الضراب
تجمعت عامر بن صعصة عقيل وقشير والعجلان وأولاد كعب بن ربيعة بن عامر بمروج سلمية ، وكلاب بن ربيعة بن عامر ومن ضامّها بماء يقال لها الزرقاء بين خناصرة وسوريّة ، وتشاكوا ما يلحقهم من سيف الدولة وتوافقوا على التذامّ فيما بينهم ، وشغله من كل ناحية ، والتضافر إن قصد طائفة منهم ، وبلغه ما عملوا عليه وتراسلوا به ، فأقلّ الفكر فيهم وأطغاهم كثرة عددهم ، وسوّلت لهم أنفسهم الأباطيل ، واستولى على تدبير كعب عقيليّها وقشيريّها وعجلانيّها إلى المهنّا ، وتفرّد بذلك محمد بن بزيع ونديّ ابن جعفر ، وحسّن ذلك لهم قوّاد كانوا في عسكر سيف الدولة من كعب متدوّنين في عدّة وعدّة ، وركضوا على أعماله فقتلوا صاحبه بزعرايا يعرف بالمربوع من بني تغلب ، وقتلوا الصبّاح بن عمارة والي قنّسرين ، واشتغل عن النهوض إليهم بوفود أتوه من طرسوس ومعهم رسول ملك الروم يسألونه إقامة الفداء والهدنة ، فتمادت أيام مسيره ، وزاد ذلك في طمع البوادي ، ثم قدّم سيف الدولة مقدّمة إلى قنسرين في يوم السبت لليلة خلت من صفر سنة أربع وأربعين وثلاثمائة ، فأقامت أحد عشر يوما تأنّيا استظهارا في أمر البادية وتقديرا أن يستقيموا فلا يكشف لهم عن عورة .
وبرز سيف الدولة إلى ضيعة له يقال لها الراموسة على ميلين من حلب في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر ، وسار عنها في يوم الأربعاء ، فنزل ماء تل ماسح وراح منه واجتاز بمياه الحيار فطواها وتلقته مشيخة بني كلاب ، فطرحوا نفوسهم بين يديه وسألوه قبول تسليمهم إليهم ، ففعل ، وسارت خيلهم معه ، ومرّ إلى ماء يقال له البديّة ، فصبّحه يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر ، ونزل به وراح منه إلى ظاهر سلمية ، فوجد الأعراب قد أجفلوا في غداة يومه فنزل بها ؛ فلمّا كان في سحر يوم الجمعة تجمعت كعب ومن ضامّنها من اليمن في عدّتها وعدّتها وحبسوا ظعنهم بماء يقال له حيران على نحو رحلة من سلمية ، وبعضهم بماء يقال له ( الفرقلس ) وراءه ، ووافت خيولهم مشرفة على عسكر سيف الدولة من كلّ ناحية ، فتركّب لهم ووقع الطراد ، فلم تمض إلّا ساعات حتى