وأرزن ، فأخربوا قراها وضياعها ، وأحرقوا أشجارها وزروعها إلى أن جعلوها كالخاوية على عروشها . وتزايدت ثقة الملك بهم وبالروم إلى أن جعلوا لهم الأرزاق والأعطية وصاروا خاصّة الملك ، وفتحوا له المضايق وتقدّموا في المسالك ، وأطمعوه على مرّ الأيّام وتعاقب الأعوام وهلاك السلطان والإسلام في أنطاكية والمصّيصة وحلب وطرسوس فدار لهم عليها ما كان القضاء قد سبق به والمقدار قد نفذ فيه . وعمد المعروف كان بناصر الدولة الحسن بن عبد اللّه بن حمدان إلى نصيبين ، فاكتسح أشجارها وبذل ثمارها وغوّر أنهارها واستصفاها عمّن دخل إلى بلد الروم ، واشترى من بعض قوم ، واغتصب آخرين فملكها إلّا القليل ، وجعل مكان الفواكه الغلّات والحبوب كالقطن والسمسم والأرزّ ، فصار ارتفاعها أكثر مما كانت عليه ، وزادت ربوعها فسلّمها إلى من بقي من أهلها ، ولم يمكنهم النهوض عنها ، وآثروا فطرة الإسلام ومحبة المنشأ حيث قضوا أيام الشباب على مقاسمة النصف من غلّاتها على أي نوع كانت ، وعلى أن يقدّر الدخل ويقوّمه عينا إن شاء أو ورقا ويعطى الجواب لمن وجب له حق المقاسمة فيكون دون الخمس ، فلم يزالوا على ذلك معه إلى أن ألحقه اللّه بسلفه
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ
وأهلها مع ولده في وقتنا هذا على أقبح ما كانوا عليه مع والده من تقدير يستغرق أكثر الغلّة وتقويم ما يبقى من سهم المزارع بثمن يرونه ويحمل إلى مخازنهم وأهرائهم إصابته فيقبض منه ما يحتاج لبذره ويرضخ له ما يقدره ممسّكا لرمقه وعيش بالجهد .
وأعمال نصيبين أربع قسم لها أربعة من العمال وحضرتها في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، وقد رفع تقريرها عن توسّط إلى أبي تغلب بن عبد اللّه بن حمدان فكان حاصلها من حنطة وشعير وأرزّ وحبوب عشرة آلاف كرّ ، فأخرج تقويم أسعارها على خمسمائة درهم الكرّ ، فكان المال على التقرير المذكور خمسة آلاف ألف درهم ، ورفع لها من الجماجم عن جواليها ولوازمها مع الزيادات فيها خمسة آلاف دينار ، ورفع لها عن عشور اللّطف وهي ضرائب الخمر خمسة آلاف دينار ، وارتفاع عرصات القوانين المأخوذة عن الغنم والبقر والدوابّ والبقول خمسة آلاف دينار ، ورفع ما يقبض من الطواحين في القصبة والضياع المقبوضة والمشتراة وغلّات العقار