كان من أجلّ بقاع الجزيرة وأحسن مدنها وأكثرها فواكه ومياها ومنتزهات وخضرة ونضرة إلى سعة غلّات من القمح والشعير نصيبين ، وهي مدينة كبيرة في مستواة من الأرض ، ومخرج مائها على شعب جبل يعرف ببالوسا وهو أنزه مكان بها حتى ينبسط في بساتينها ومزارعها ، ويدخل إلى كثير من دورها ، وكان لهم مع ذلك فيما تقدّم من المدينة ضياع . . .
مباخس كثيرة جليلة عظيمة السائمة دارّة الغلّات والنتاج معروفة الفرسان مشهورة الشجعان وديارات نصارى تقصد للنزهة ، ولم تزل على ما ذكرته من أوّل الإسلام تضمّن بمائة ألف دينار إلى سنة ستين وثلاثمائة ، فأكبّ عليها بنو حمدان بصنوف الجور وتجديد الكلف إلى أن حمل ذلك بني حبيب وهم بنو عمّ بني حمدان على أن خرجوا بذراريّهم ومواشيهم وثقلهم في اثني عشر ألف فارس على فرس عتيق وسلاح شاكّ من درع وجوشن مذهّب ، ومغفر مدبّج وسيف فارد ورمح خطّيّ وآلة وعدّة إلى بلد الروم مطلّة ، فقمع بها شوكتهم ، ويسبون بها ذراريّهم ويخربون حصونهم ويخوضون ديارهم تتقدمهم كهذه العدّة لهم من جنائب عتاق وبغال فرّه عليها الخدم والموالي فتنصّروا بأجمعهم ، وأوثقوا ملك الروم من أنفسهم بعد أن أحسن لهم النظر في إنزالهم على كرائم الضياع ونفائس الحباء والمتاع وتخييرهم في القرى والمواشي ورفدهم بالنواحي والمواشي العوامل ، وعادوا بلد الإسلام على بصيرة بمضاره ، وعلم بأسباب فساده ، وخبرة بطرقه ، ومعرفة بدقّه وجلّه ، وقلوبهم تضطرم حقدا وتفور كيدا ، وقد كاتبوا من خلّفوه ولا طفوا من عرفوه بقصد آل حمدان له في ماله وضياعه ، فأطمعوهم فيما نالوه ، وعرّفوهم ما رجعوا إليه وجاؤوا فيه من قصد بلد الإسلام واجتياحه واصطلام بقاعه ونواحيه ، وأنّ الملك أيّدهم وقوّاهم وأنعم عليهم وآواهم ، فلحق بهم كثير من المخلّفين عنهم ، وانتمى إليهم من لم يك منهم ، فشنّوا الغارات على بلد الإسلام ، وافتتحوا حصن منصور وحصن زياد وصاروا إلى كفرثوثا ودارا فأتوا عليها بالسبي والقتل وألحقوا أسوارها بالأرض ، وصارت لهم تلك عادة وديدنا يخرجون كلّ سنة عند أوان الحصاد إلى أن أتوا على ربض نصيبين بنفسها والغربيّ من ضياعها ، وتعدّوا ذلك إلى أن وصلوا إلى جزيرة ابن عمر فأهلكوا ظاهرها وسحقوا رأس عين وأعمالها ، وساروا إلى الرقّة وبالس ، وعادوا إلى ميّافارقين
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 208
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٢٠٨