الدولة لوقته نافرا ، وانتقل إلى غير الموضع الذي كان فيه ، ونظر فيما يجب النظر فيه في ليلته ، وسار عن حلب غداة يوم الأربعاء لسبع خلون ، فنزل ( رعبان ) وأخبار الحدث مستعجمة عليه لضبطهم الطرق وتقديرهم أن يخفى عليه خبرهم .
فلمّا أسحر ، لبس سلاحه ، وأمر أصحابه بمثل ذلك ، وسار زحفا ، فلمّا قرب من الحدث عادت إليه الطلائع بأنّ عدوّ اللّه لمّا أشرفت عليه خيول سيف الدولة على عقبة تسمّى العبراني رحل ولم يستقرّ به دار ، وامتنع أهل الحدث من البدار بالخبر خوفا من كمين يعترض للرسل . فنزل سيف الدولة بظاهرها ، وذكر خليفته بها أنّهم نازلوه وحاصروه فلم يخله اللّه عزّ وجلّ من نصرة عليهم إلّا في نقوب نقبوها في فصيل كان قديما للمدينة ، وأتتهم طلائعهم بخبر سيف الدولة في إشرافه على ثغر ( رعبان ) ، فوقعت الضجّة فيهم وظهر الاضطراب ، وولّى كل فريق على وجهه . وخرج أهل الحدث ، فأوقعوا ببعضهم وأخذوا آلة حربهم ، فأعدّوها في حصنهم فقال أبو الطيّب :
ذي المعالي فليعلون من تعالى * هكذا هكذا وإلّا فلا لا
. . . وفي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة غزا الأمير سيف الدولة ووطئ من أرض الروم موطئا لم يطأه المسلمون منذ ثلاثين سنة ، وكان قد أخذ معه سفنا مخلعة وأطوافا تعبر عليها نهر ( أرسناس ) ، وقصد مدينة تلّ بطريق فأحرقها ، وبلغ من الروم مبلغا عظيما ، وقتل منهم نحو أربعة آلاف رجل ، وغنم ما يفوت الإحصاء من الدوابّ والديباج ، وعاد سالما إلى آمد فدخلها ، وأنشد في ذلك أبو الطيّب قصيدته التي أوّلها :
الرأي قبل شجاعة الشجعان * هو أوّل وهي المحلّ الثاني
غزا سيف الدولة إلى بطن ( هنزيط ) في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ، ونزل شاطىء نهر أرسناس وعبر إلى الجانب الآخر في الزواريق ، وكان يأنس بن الشمشقيق في تلّ بطريق ، فكبسه سيف الدولة ، فانهزم ابن الشمشقيق ، وفتح سيف الدولة تلّ بطريق وانثنى قافلا إلى الدرب الذي يقال له درب الخيّاطين ، وألفي الدمستق وابن الشمشقيق قد أخذا الدرب وأشحناه بالرجال ، فانتشب القتال بينهم ، واستظهر سيف الدولة عليهما .