ذكر وفاة سعد الدولة بن حمدان :
« وفي هذه السنة ( 381 ) ، لمّا برز سعد الدولة ليسير إلى دمشق لحقه ( قولنج ) ، فعاد إلى حلب ليتداوى ، فزال ما به وعوفي ، وعزم على العود إلى معسكره ، وحضر عند إحدى سراريه فواقعها فسقط عنها وقد فلج وبطل نصفه ، فاستدعى الطبيب ، فقال له : أعطني يدك لآخذ مجسّك ؛ فأعطاه اليسرى ، فقال : أعطني اليمين ، فقال : لا تركت لي اليمين يمينا ، يعني نكثه بأولاد بكجور هو الذي أهلكه ، وقد ذكر ذلك ، وندم عليه حيث لم تنفعه الندامة ، وعاش بعد ذلك ثلاثة أيّام ومات بعد أن عهد إلى ولده أبي الفضائل ، ووصّى إلى لؤلؤ به وبسائر أهله .
فلمّا توفّي قام أبو الفضائل ، وأخذ له لؤلؤ العهد على الأجناد ، وتراجعت العساكر إلى حلب .
وكان الوزير أبو الحسن المغربيّ قد سار من مشهد عليّ عليه السّلام ، إلى العزيز بمصر ، وأطمعه في حلب ، فسيّر جيشا وعليهم منجوتكين أحد أمرائه إلى حلب ، فسار إليها في جيش كثيف فحصرها ، وبها أبو الفضائل ولؤلؤ ، فكتبا إلى ( بسيل ) ملك الروم يستنجدانه ، وهو يقاتل البلغار ، فأرسل بسيل إلى نائبه بأنطاكية يأمره بإنجاد أبي الفضائل ، فسار في خمسين ألفا ، حتّى نزل على الجسر الجديد بالعاصي ، فلمّا سمع منجوتكين الخبر سار إلى الروم ليلقاهم قبل اجتماعهم بأبي الفضائل ، وعبر إليهم العاصي ، وأوقعوا بالروم فهزموهم وولّوا الأدبار إلى أنطاكية ، وكثر القتل فيهم .
وسار منجوتكين إلى أنطاكية ، فنهب بلدها وقراها وأحرقها ، وأنفذ أبو الفضائل إلى بلد حلب ، فنقل ما فيه من الغلال ، وأحرق الباقي إضرارا بعساكر مصر ، وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها ، فأرسل لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربيّ وغيرهم وبذل لهم مالا ليردّوا منجوتكين عنهم ، هذه السنة ؛ بعلّة تعذّر الأقوات ، ففعلوا ذلك ، وكان منجوتكين قد ضجر من الحرب ، فأجابهم إليه وسار إلى دمشق .
ولمّا بلغ الخبر إلى العزيز غضب وكتب بعود العسكر إلى حلب ، وإبعاد المغربيّ ، وأنفذ الأقوات من مصر في البحر إلى طرابلس ، ومنها إلى العسكر ، فنازل العسكر حلب ، وأقاموا عليها ثلاثة عشر شهرا ، فقلّت الأقوات بحلب .