إليهم الأرض الغضاء بأفلاذ أكبادها ، وتفتحت لهم عن كنوزها ، ودانت لسلطانهم الواسع الأمم والشعوب ، وخفق لواؤهم على أقاليم الشرق والغرب ، هيهات أن يساسوا بعد ذلك بسياسة الإمامة الدينية ، وفي هذه السياسة وقد اشرأبت أعناق المسلمين إلى الدنيا ، وما العهد عن سياسة النبوّة الدينية وعن سياسة الخلفاء الراشدين ببعيد ، ساور الانتقاض من هنا وهناك خلافة جدهم علي ، وما كان يجهل أفانين السياسة وضروبها ، وما كان بالجبان ولا بالعاجز الوكل .
كل ذلك كان من آيات فوز الدعوة العباسية على الدعوة العلوية التي لم يقم بها إلّا فريق منهم ، لا يؤيده ذلك الفريق الصالح وإن بدئت الدعوة في أول الأمر بمحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب .
وكيف بعد توفّر هذه الأسباب لنجاح الدعوة العباسية لا يتفرس المتفرسون بمصير الأمر إليهم ؟
على أن الدعوة العلوية الضئيلة قد حاربها دعاة بني العباس ، وحسبك أن أبا مسلم داعيتهم هو الذي قتل عبد اللّه بن معاوية بن جعفر الذي دعا إلى نفسه بالكوفة ، ثم خرج هاربا منها ومن البلاد التي بايعته بعد غلبته إلى خراسان .
وإنك لترى مثل هذا التفرس والإرهاص لدولة قامت ، فترى مثله لبني أمية ، وبني بويه ، ولكافور الأخشيدي ، ولبني إدريس ، وللفاطميين .
وسواء أصح كل ما تفرس به المتفرّسون أم لم يصحّ ، فإن من مجموع ما ذكرناه من حديث وخبر ، ومن أسباب قريبة وبعيدة ، ومن سياسة رشيدة كان يقوم بها بنو العباس ومن انضمّ إليهم من بني علي وشيعتهم ، واتساع خراسان الإقليم الواسع لنشر الدعوة وهو الإقليم الذي لم تغمره العصبيّة للقبيل الأمويّ ، جعلت لتلك الإرهاصات وذلك التفرس مكانهما من الإصابة .
واللّه غالب على أمره وإليه مصير الأمور .
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 62
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٦٢