فلم ينشب أن وجد للسمّ حسّا فاستدلّ على الطريق إلى الحميمة ، وبها جماعة آل العباس ، وقال لمن معه : إن متّ ففي أهلي ، ثم توجّه فنزل على محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس فأخبره الخبر ، وقال له : إليك الأمر والطلب للخلافة بعدي ، فولّاه وأشهد له من الشيعة رجالا ، ثم مات . فأقام محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس ودعوة الشيعة له حتى مات ، فلمّا حضرته الوفاة ولّي محمد بن إبراهيم الأمر ، فأقام وهو أمير الشيعة وصاحب الدعوة بعد أبيه ، انته » « 1 » .
وكأن تسليم الحسن الأمر إلى معاوية بعد أخذه عليه العهود ، نبّه الشيعة ، وهم يعلمون أنهم إذا لم ينكمشوا في أمرهم ويقلّدوه رجلا من آل علي أو ولد العباس ، وقد تنازل عنه الحسن ولم ينهض به الحسين - والإمامة لأخيه - فهم مأخوذون في عقر دارهم مستهدفون للظلم ، وإن كان هذا الرأي لا يراه كل الشيعة ، ومنهم من يعتقد انحصاره في علي والأئمة من بنيه من فاطمة ، وإنه ليس لسواهم ولا لبني العباس . ولكنه قد يكون في الشيعة من يؤيد القائمين وإن لم يروا رأيهم في إمامة محمد بن الحنفية وولده وولد ابن عباس ، منهم إن لم يتفقوا معهم في العقيدة فهم متفقون معهم في التماس الخلاص من الظلم الأموي .
الثامن [ أهداف معاوية ] :
لم يكتف معاوية باغتصاب الخلافة من عليّ وهو المتعين لها على مذهب الإمامية بالنصّ ومذهب أهل السنة والجماعة ببيعة أهل الحلّ والعقد وهو الإمام المفترض الطاعة الذي لا تجوز محاربته . ولم يكتف بمحاربته وهو الظالم له ، ولا بطغيان جيوشه على بلاده وانتقاصها من أطرافها وتأمير مثل « بسر بن أبي أرطاة » عليها ، وهو الفظ الغليظ وحسبه لؤما قتله في غزوته اليمن طفلي عاملها من قبل علي بن عبد اللّه بن عباس . لم يكتف بهذه الأفاعيل حتى سنّ مسبّة عليّ في حياة عليّ ، ولم يتحرّج من أن يسمعها ولده الحسن وقبيله الهاشميّ غير متأثم ولا مستعظم ، ثم درج عليها من ولّي الأمر بعده من الأمويين إلى أن أبطلها عمر بن عبد العزيز .
هامش
( 1 ) - الإمامة والسياسة لابن قتيبة .