هوى علي ورجوع الخلافة إلى علي . فكان من نتائج تلك السياسة ومن مجموع هذه العناصر المكوّنة منها فكرة الدعوة للخلافة الحقة ، انتقاض الأمصار على عثمان وقيام من قام منها من الكوفة ومصر والمدينة بمحاصرته في داره فمقتله . وما كان الجاني عليه في نفس الأمر والواقع إلا رجال قبيله ، وهم وحدهم الملومون عند الباحث المنصف ، وهم الذين جنوا على الإسلام لا الشيعة كما يزعم كثير من الباحثين ، وخاصة في هذا العصر الذي توفرت فيه لديهم الأسباب لتمحيص الحقائق ، وأوتوا وراء ذلك علما بأساليب البحث ومعرفة بفلسفة المباحث الإسلامية وتاريخ الإسلام . ولئن بعدت عنهم الحوادث التي حدثت واكتنفها كثير من الغموض بواسطة العصبيات المذهبية التي تكونت من العصبيات الحزبية ، فإن منطق تلك الحوادث التي تضافر على نقلها علماء الفريقين من الحزبين أو المذهبين ، ما يرشد المنصف إلى سواء السبيل ، وإلى تعليل تلك الحوادث بعللها الصحيحة ، ولا سيما إذا تجرد عن التقليد لسلفه أو انجرّ إليه وهو في موقف تعليل الحوادث بعامل التأثير الخفي بما كان لسلفه من الرأي والاعتقاد ، وهو يظن أنه يكتب لفلسفة التاريخ الإسلامي ، وما مؤدى فلسفته إلا الغمز من قناة الشيعة وتسفيه آرائهم وإلصاق كل جناية بهم .
الخامس [ الأحداث العظيمة ] :
لم يكن ما مني به عليّ ، وقد آل إليه مصير الخلافة ، من الانتقاض عليه ممن بايعه أمس ، ومن وقعة الدار ، وقد شاء أعداؤه أن يحمّلوه منها أثقل الأوزار . وتحيّن معاوية الفرصة وقد استوسق له أمر الشام وأطلقت يده في حكمه الذي استمر مدة طويلة ، فاتّخذ من مقتل عثمان ذريعة لمنافسة عليّ في الخلافة ، وما كان له بكفء في منزلة من منازل الشرف والفضيلة ، ممّا أدّى إلى وقوع أعظم حرب منذ ظهور الإسلام وحتى ذلك الوقت بعد حرب الجمل التي جرها نقض من بايع بيعته .
لم يكن ما مني به عليّ من هذه الأحداث العظيمة إلّا حافزا عظيما لشيعته ومن التفّ حولهم وقال بمقالتهم ونفر من افتئات معاوية بالأمور نفورهم ، لترويج تلك الفكرة الشيعية ، وإن شئت فقل السياسية أو الحزبية .