الرابع [ فكره الدعوة للخلافة الحقة ] :
إن سياسة الخلافة كانت في عهد الخليفتين الأولين لا تبتعد عن روح الدين كما عرفت . وكانت حريصة على جمع الكلمة الإسلامية وبعيدة عن الاستئثار والافتئات ، وأقرب إلى تأليف القلوب النافرة من خلافة الثالث المعتز بقبيله الأموي الكثير العدد . وقد سلف أن الأمويين لم تكن لهم قدم راسخة في الإسلام ، بل كانوا حربا عليه وأعداء ألدّاء للدعوة ، وقد أكرهوا على دخولهم في الإسلام إكراها يوم فتح مكّة الذي ظهر فيه أمر الإسلام والمسلمين ، ودانت له جبابرة مكة وعتاة العرب ، وغلب على يهود خيبر وقريظة وبني المصطلق .
بسط هذا القبيل يده في سلطان هذا الخليفة الأموي ، وولي كبريات الولايات والأعمال ، وشاء القدر أن يلي معاوية في عهد الخليفة الثاني ولاية الشام ، وتمتد ولايته إلى خلافة عثمان ، فيتسع أمامه مجال ترسيخ قواعد سلطانه . وقد جمعت هذه الولاية مما خلفه فيها الرومان من كنوز الثروة ومن العمران الزاخر والخصب العجيب ما يزيد في قوة سلطانه ونفوذه . وهو قد أوتي دهاء إلى سياسة مشى فيها بعيدا جد البعد عن روح السياسة الإسلامية الدينية ، فكان فيه مطمع لذوي النفوس الضعيفة الطامحة إلى مشاركته في رغد العيش ورفاهيته .
هذا إلى ما نال في سلطان هذه الخلافة أعلام صحب علي من إرهاق وترويع ، ومنها ما أصاب الصحابي الجليل أبا ذرّ الغفاري من نفي إلى الشام ، ومن الشام إلى الرّبذة حيث مات في هذا المنفى .
كانت هذه السياسة الجديدة وهي قائمة على إدارة رجال أمويين لا يعرفون للقصد حدا ، وهي مصطبغة بصبغة بعيدة عن روح الدين ، من أسباب نفور الشيعة ومن أسباب قوة الفكرة الشيعية في العمل لإرجاع الخلافة إلى أهلها ، ولا نستطيع أن نقول إن لعلي يدا في تغذيتها ، وهو أبعد عن إحداث فتنة في الإسلام ، ولكن ما ذا يعمل علي في سبيل إخماد ثائرة النفوس ، وقد امتلأت سخيمة من هذه السياسة القائمة على إرهاق أشياعه والابتعاد بالخلافة عن مناهجها الدينية . . ، وقد عرفت أن في الملتفّين حول الدعوة الشيعية أصنافا من الناس ومنهم من له هوى غير