الثالث [ المكنون في قلوبهم ككمون النار في الرماد ] :
إن مما لا ريب فيه أن قيام الخلافة على الشكل الذي قامت فيه من الانتخاب الذي لم يستكمل شرائطه حتى عند من يقول بالاختيار في هذا المنصب ، أن أسكتت المصلحة الإسلامية العامة من كان منصوصا عليه من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وحزبه عن نقضه بقوة الجدل أو بقوة السلاح ، وعن منازعة من صار إليه بانتخاب فريق من ذوي الحل والعقد دون الفريق الآخر ، ومنهم علي وحزبه من الهاشميين وغير الهاشميين من أفاضل الصحابة ، فلم يكن هذا السكوت المنبعث عن تلك المصلحة التي راعاها الفريق الذي عزل عن حقه في الاختيار أو افتئت على حقه في النص ، إلا بالذي يترك في النفوس أثرا إن لم يكن في نفس صاحب الحق فإنه في نفوس حزبه ، وإن غلبت عليه دواعي الحال فلم تغلب عليه دواعي الاستقبال يوم تمكّن الفرص منه ، والجرح إذا لم يندمل يوم فساده فهو إلى النكأة قريب .
كوّنت هذه الحال فكرة لدى الشيعة فعملوا لها في السر على استرجاع الحق إلى أهله ، ومن رسخت في نفوسهم هذه الفكرة يرونها واجبا دينيا يجب العمل به يوم تمكن الفرصة من العمل ، فكانت كامنة في هذه النفوس الشيعية كمون النار في الرماد ، وهي مع ذلك لم تجد إلا ما يستثيرها ويستفزّها ويذكيها . ولم يجد حاملوها من حسن السياسة ما يخفف من سخائمهم ، ولا ننكر أنه قد اندسّ فيهم من لم يكن مخلصا لا لعلي ولا للمسلمين ، ومن لم يكن راضيا عن خلافة الخلفاء إمّا حسدا وهو يرى مكانة قبيله أشرف من مكانة قبيلهم ، وإمّا طمعا في ولاية من ولايات الخلافة ، وهو لم يكن ذا حظ منها عملا بقول الشاعر :
إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ * نصيب ولاحظّ تمنّى زوالها
والنفوس مطبوعة على حب السلطان وأبهة الحكم ، ولا سيما ممن يرجع إلى قبيل شريف ، وإما عقيدة في علي خرج بها عن حد القصد ، وادّعى فيه ما لم يدعه هو ولا حزبه كابن سبأ وأضرابه ، وإما رجاء في المستقبل بالمشاركة في الأمر والنهي . فكان العباسيون كالعلويين والأمويين يرون أن لهم في ذلك المنصب من المؤهلات أضعاف ما لمن وليه من الخلفاء ، فأدّى ذلك كله إلى اصطباغ الفكرة الشيعية بكثير من الألوان .