النفير ! النفير ! الغزاة ! الغزاة وكثر الضجيج من الناس وخرج منهم عالم كثير لا يحصون كثرة . وبرز الخليفة رابع عشر ذي الحجة وعبر دجلة وعليه قباء أسود وعمامة سوداء وطرحة ، وعلى كتفه البردة وفي يده القضيب وفي وسطه منطقة حديد صيني ، ونزل الخيام ومعه وزير نظام الدين أحمد بن نظام الملك ونقيب الطالبيين ونقيب النقباء علي بن طراد وشيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل وغيرهم من الأعيان . وكان البرسقي قد نزل بقرية جهار طاق ومعه عسكره ، فلما بلغهم خروج الخليفة عن بغداد عادوا إلى خدمته . فلما رأوا الشمسة ترجلوا بأجمعهم وقبلوا الأرض بالبعد منه .
ودخلت هذه السنة فنزل الخليفة ، مستهل المحرم بالحديثة بنهر الملك .
واستدعى البرسقي والأمراء واستحلفهم على المناصحة في الحرب ثم ساروا إلى النّيل . ونزلوا بالمباركة وعبّأ البرسقي أصحابه ووقف الخليفة من وراء الجميع في خاصته وجعل دبيس أصحابه صفا واحدا ميمنة وميسرة وقلبا وجعل الرجّالة بين يدي الخيالة بالسلاح ، وكان قد وعد أصحابه بنهب بغداد وسبي النساء ، فلما تراءت الفئتان بادر أصحاب دبيس وبين أيديهم الإماء يضربن بالدفوف والمخانيث بالملاهي ، ولم ير في عسكر الخليفة غير قارىء ومسبّح وداع ، فقامت الحرب على ساق . وكان مع أعلام الخليفة الأمير كرباوي بن خراسان وفي الساقة سليمان بن مهارش ، وفي ميمنة عسكر البرسقي الأمير أبو بكر بن إلياس مع الأمراء البكجيّة فحمل عنتر بن أبي العسكر في طائفة من عسكر دبيس على ميمنة البرسقي ، فتراجعت على أعقابها وقتل ابن أخ للأمير أبي بكر البكجي . وعاد عنتر وحمل حملة ثانية على هذه الميمنة فكان حالها في الرجوع على أعقابها كحالها الأول . فلما رأى عسكر واسط ذلك ومقدمهم الشهيد عماد الدين زنكي بن آقسنقر حمل وهم معه على عنتر ومن معه وأتوهم من ظهورهم ، فبقي عنتر في الوسط وعماد الدين وعسكر واسط من ورائه والأمراء البكجية بين يديه فأسر عنتر وأسر معه بريك بن زائدة وجميع من معهما ولم يفلت أحد . وكان البرسقي واقفا على نشز من الأرض وكان الأمير آق بوري في الكمين في خمسمائة فارس ، فلما اختلط الناس خرج الكمين على عسكر دبيس فانهزموا جميعهم وألقوا نفوسهم في الماء فغرق كثير منهم وقتل كثير . ولما رأى الخليفة اشتداد الحرب جرد سيفه وكبّر وتقدم
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 297
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٢٩٧